بطانة السلطان

بطانة السلطان
نشرت جريدة “الشرق الأوسط” في عددها الصادر بتاريخ 25 أبريل خبراً صادراً عن المؤتمر الوطني العراقي حول تورط جهات نافذة في قطر مع الحكم العراقي السابق! الخبر يقول إن الوثائق تكشف عن وجود صفقات مشبوهة بين مسئولين قطريين مع النظام العراقي، وإن وثائق أخرى كانت في السفارة القطرية ببغداد تكشف عن علاقات تجارية غير مشروعة قام بها عدد من المسئولين والوزراء القطريين، إلا أن تلك الوثائق اختفت، ربما تم تسليمها للحكومة القطرية بطريقة ما، إلا أن وثائق شبيهة بها وجدت في مراكز أمنية وتجارية ومخابراتية عدة ببغداد، كشفت عن التورط القطري بصفقات غير مشروعة مع نظام العراق!
ويطرح خبر “الشرق الأوسط” هذا سؤالاً حول مدى وحجم امتداد النظام العراقي السابق ودرجة نفوذه وقوته في دول عربية وأجهزة إعلامية رسمية وغير رسمية! وهو سؤال طرحه الكثير من قبل حين خرجت وثائق مشابهة من سفارات عراقية في دول كلبنان ومصر تشير إلى قوائم بأسماء لمثقفين وسياسيين منتفعين من نظام صدام حسين، حيث يتم تسليمهم رواتب شهرية مغرية، حتى لقد قيل إن ميزانية سفارة العراق في إحدى تلك الدول بلغت عشرات الملايين شهرياً!
ونعود قليلاً إلى خبر “الشرق الأوسط” الذي ذكر تفاصيل أخرى تثير الخوف والقلق من حجم الفساد السياسي والإعلامي العربي! حيث يقول المصدر إن جهات رسمية قطرية قد ساومت أحمد الجلبي رئيس المؤتمر العراقي على أن توقف السلطات القطرية حملات قناة “الجزيرة” على المؤتمر الوطني العراقي وعلى أحمد الجلبي مقابل التعهد بعدم الإفراج عن محتويات تلك الوثائق! إلا أن تلك المساومة قد قوبلت بالرفض، حيث أعلن المصدر أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد المزيد وستكشف الكثير من تلك التفاصيل.
في أوروبا يتم التعامل مع قضايا الفساد السياسي عن طريق قنوات المراقبة والمحاسبة، وكما حدث مع النائب البريطاني “غالوي”، حيث يحقق حزب العمال الحاكم الذي ينتمي إليه النائب الإنكليزي في اتهامات تتعلق بتورطه في تقاضي رشوات مالية من رئيس النظام العراقي السابق! أما في عالمنا العربي فكثيراً ما يتم التحفظ والتستر على قضايا الفساد بشكل عام، سياسياً كان أم اقتصادياً أم اجتماعياً! مما يضاعف من الخلل الكامن في مؤسساتنا بشكل عام، ويعفي المتهم من المحاسبة والمساءلة، فيتحول الفساد ليصبح جزءاً من نسيج البنية العربية!
إن نظاماً كنظام صدام حسين لا يمكن أن يستمر وبقوة لأكثر من ثلاثة عقود من دون أن يكون له امتداد يحميه ويوفر له الشرعية المطلوبة، وسواء جاء هذا الامتداد عبر التأثير الجغرافي السياسي الطبيعي، أو من خلال شراء الذمم وطرح الصفقات السياسية غير الشرعية! فإنه يبقى أمراً بالغ الأهمية والحيوية بالنسبة لأنظمة الحكم الدكتاتورية.
ولعلنا أدركنا أهمية مثل هذا الامتداد للنظام العراقي وحقيقته إبان الحرب الأخيرة، حيت اضطر اللاعب العراقي لاستخدام كل أوراقه بما فيها تلك التي اتسمت بالسرية، وأصبح على كل الجهات المنتفعة والموظفة لخدمة نظام صدام حسين أن تعلن حربها إلى جانبه وأن ترفع سلاح الكلمة للذود عن ولي نعمتها! حتى لقد أصبح الناس يتندرون فيما بينهم بطرفة هي أقرب للحقيقة بأن استمرار تلك الأبواق الإعلامية دليل دامغ على أن الرئيس العراقي لا يزال حياً يرزق!
لم ينته الأمر إذاً بسقوط نظام صدام حسين، بل قد يكون للتو بدأ، فأنظمة كهذه غالباً ما تسرف في بناء شرعيتها الزائفة، فتمتد عميقاً في البناء السياسي المتاخم لمحيطها ولتتسع بذلك الدائرة ويزداد معها خندق “بطانة السلطان” عمقاً!
أمام المنطقة إذاً سنوات طويلة من العمل والنضال لتنقية المناخ العربي السياسي والإعلامي من “حواسم” صدام حسين ونظامه، لأن القضاء على “السلطان” لا يجب أن يعفي بطانته من المساءلة والمحاسبة!
