تقارير وحوارات

بديعة وريثة العروش

من المؤكد أن السير الشخصية تجافي الموضوعية في كثير من الأحيان لأسباب تتعلق بهوية الراوي للأحداث الذي لا بد من أن يحشر بعضاً من رؤيته الشخصية التي قد تؤثر في سياق الأحداث، لكن ذلك لا يعني أن كل ما يأتي في السير الذاتية يعتبر تزويراً أو غير حقيقي!
مؤخراً قرأت كتاباً صادراً عام 2002، أي حديثاً، يحوي مذكرات “وريثة العروش الأميرة بديعة ابنة الملك علي وحفيدة ملك العرب الشريف حسين بن علي“.
يحكي الكتاب على لسان راويته الأميرة بديعة وبقلم مؤلفه فائق الشيخ علي المحامي المنتمي إلى أسرة علمية كانت تمثل المرجعية الدينية في العراق حتى عام 1951، يحكي تاريخ بني هاشم السياسي منذ 1908 حين أمّر الأتراك العثمانيون الشريف حسين بن علي أميراً على مكة المكرمة، ليعلن بعد ثمانية أعوام فقط (1916) ثورته العربية الكبرى عليهم، وليكون فيما بعد ملكاً على العرب، وليتوزع أنجاله الثلاثة (علي، عبدالله، فيصل الأول) ملوكاً على الحجاز والأردن والشام ومن ثم العراق، انتهى حكمهم في ثلاث دول ومازالوا يحكمون رابعة (الأردن)، وهم يأملون استعادة عرش دولة أخرى (العراق)، غير أن أفظع نهاياتهم وأبشعها تلك التي كانت ببغداد في 14 يونيو 1958، حيث لم ينجُ من مذبحة “قصر الرحاب” غير أميرة من العائلة المالكة هي الأميرة “بديعة” التي تبلغ الآن الثانية والثمانين، وتعيش في لندن.
يحوي الكتاب صوراً من العراقتعود إلى بداية هذا القرن، بالإضافة إلى تفاصيل دقيقة تصف الحياة في تلك المنطقة التي كانت ملامحها آخذة في التشكل بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
كثيراً ما يأسر تاريخ الملوك عقول الكثيرين ممن لم يعاصروا تلك الفترات، وسواء كان في مصر أو في العراق أو إيران أو ليبيا – وكلها دول سقطت فيها الملكية وتحولت إلى جمهوريات – فإن المقارن بين النظامين فيها: الجمهوري والملكي، لا يملك أن يخفي إعجابه بفترة الملكية وما تصوره من مظاهر رفاه واستقرار وأمان مقارنة بفوضى وتدهور وعنف الجمهوريات، ولا يستطيع أن يخفي تساؤلاً حائراً حول سبب التحول نحو الأسوأ في تلك الدول، وعما إذا كانت المشكلة تكمن في عنف التحول أم هي في طبيعة الإدارة السياسية! وهل كان بإمكان تلك الدول أن تحقق مسيرة تنموية موفقة، لو أنها بقيت ملكية أم أن التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أصاب دولاً كمصر والعراق وليبيا وإيران لا علاقة له بذلك التحول في النظام، وإنما هو بفعل عوامل أخرى متداخلة ومركبة؟ سؤال قد تتطلب الإجابة عنه دراسات مسهبة ومطولة لمقارنة كلا الوضعين! لكن الذي شد انتباهي حقاً وأنا أتجول مع “بديعة” في بغداد العشرينيات، وحتى بداية الخمسينيات، وأطالع الصور التي سجلت بعضاً من ملامح تلك الحقبة، أن للعراق ظروفاً سياسية واقتصادية واجتماعية تختلف تماماً عن ظروف دول كمصر وليبيا وإيران، وأن الدوافع من وراء الثورة التي اجتثت النظام الملكي هي قطعاً ليست الدوافع نفسها التي أثارت الشعوب الأخرى على أنظمتها الملكية، ومما أثار تلك الملاحظة أيضاً، تكرار الأميرة “بديعة” في مذكراتها للدور الذي لعبته مصر عبدالناصر في إزاحة الهاشميين من سدة الحكم في العراق! فهي تكاد تقول في سردها إن الثورة لا علاقة لها بالشعب العراقي، وإنما هي قرار ناصري نفذه عبدالكريم قاسم ومن معه آنذاك!
وأياً كانت الحقيقة، فإن من المؤكد أن “ثورة” العراق شأنها شأن كل الثورات العربية الأخرى، لم تأت في مواثيقها مصلحة الشعب، ولم تكن برامج التنمية ضمن أولوياتها، وإلا لما بقيت تلك الجمهوريات ضحية للإرهاب والعنف والخوف والفقر!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى