العراق.. وبورصة الوضع الراهن

العراق.. وبورصة الوضع الراهن
في تجمع ضم عدداً كبيراً من مثقفي دول مجلس التعاون الخليجي، في حوارات تناولت قضية التنمية في دول المجلس، وعلاقة برامج التنمية بأحداث الخليج الساخنة، وبدون شك، فإن ورقة العراق قد احتلت وكما هو متوقع، حيزاً كبيراً من وقت ومساحة الحوار وكان النقاش حول الوضع في العراق، ساخناً بصورة أربكت برنامج التجمع.. ومساحته الزمنية.
كان هنالك شبه إجماع من الحضور الخليجيين على ضرورة البحث عن صيغة لإعادة العراق إلى الحظيرة الخليجية. وبحيث كانت هذه الآراء شبه متفقة على أن استمرار النظام الحاكم في بغداد، بالرغم من كل الإخفاقات العسكرية، والضغوط السياسية التي واجهها ويواجهها، تشير إلى أن الوضع الراهن في العراق مهيأ لأن يبقى ولفترة قد لا تكون قصيرة على الإطلاق، وكما كانت التوقعات التي أعقبت حرب تحرير الوطن! كما يرى هؤلاء أيضاً بأن شؤوناً وأموراً كثيرة تمس مستقبل دولهم الاقتصادي والسياسي قد باتت مجمدة منذ كارثة الغزو. أي لحوالي سبعة أعوام، دون أن تلوح في الأفق أي مؤشرات تدفع باتجاه انفراج قريب للأزمة والهم العراقي!!
وإذا كانت آراء هؤلاء المثقفين التي عبروا عنها في اجتماعهم، تعكس حالة اليأس التي وصل إليها المجتمع الخليجي من إمكانية تغيير النظام القائم في العراق. فإن مبادرات رسمية خليجية قد بدأت في توجيه رسائلها الداعية إلى التعايش والتعامل مع الوضع الراهن في العراق، بعد أن اتضح مدى ضعف احتمالات التغيير.
قد لا ينكر أحد أن التداعيات التي أفرزها غزو الوطن، ثم حرب التحرير، وعزلة العراق ونفيه عن المجتمع الإقليمي والدولي، كلها تشكل مأزقاً حرجاً لدول المنطقة كافة وترفع تساؤلاً حول كيفية التعامل مع هذا الوضع، وإن كان ذلك لا يبرر تلك المساهمات الفردية الخليجية الساعية للخروج من ذلك المأزق بأي صورة كانت.
قد لا تكون هنالك بعد مؤشرات تدل على انفراج قريب للأزمة العراقية وإن كانت الاختراقات التي تعلنها بين الحين والآخر فصائل المعارضة العراقية، بالإضافة إلى الأخبار الواردة بشأن تخلخل الدائرة المحيطة بصدام حسين، ما يبشر بالخير ويدفع إلى الأمل مما يدعو إلى ضرورة البدء بمشروع عربي خليجي جاد، تعرض فيه كل الاحتمالات وترتب من خلاله أولويات التعامل مع ما قد يطرأ.
نستطيع أن نقول إن مشكلة التغيير في العراق تكمن في أن نطاق الاستفادة من الوضع الراهن آخذ في الاتساع والتمدد. فبينما كانت تهمة الاستفادة من الوضع الراهن موجهة إلى الغرب، ودول التحالف التي حسمت حرب الخليج الثانية، نجدنا الآن في مواجهة وضع راهن يساوم عليه الجميع، بمن فيهم المعارضة العراقية نفسها. ففي حديث لأحد كبار زعماء المعارضة العراقية الدكتور محمد بحر العلوم يتحدث فيه عن أولويات المعارضة والتي هي محاكمة صدام حسين، وبحيث يؤكد الدكتور محمد بحر العلوم جهوده بهذا الشأن والتي تكللت بوعد من وزير الخارجية الأمريكية السابق وارن كريستوفر بتبني هذا الأمر!!
وبالطبع فلا أحد ينكر على الدكتور محمد بحر العلوم حرصه على محاكمة طاغية مثل صدام حسين ولكن أن تكون هذه من أولويات المعارضة فإن ذلك يعني مؤشراً خطيراً على خلل في نهج المعارضة وقد لا نستغرب إذا ما اعتبرناه بعضاً من المساومات العديدة على الوضع الراهن المحمود؟!
وبالإضافة إلى المعارضة المستفيدة من الوضع الراهن هنالك أيضاً الإخوة الخليجيون الذين أوردنا ذكرهم في بداية حديثنا بالإضافة إلى أسطول كبير من الشركات العربية والدولية وأصحاب المقاولات والكسب المشروع والتي تقف في طوابير طويلة منهمكة في بورصة الوضع الراهن التي تتأرجح فيها الأسعار والمنافسة طلوعاً ونزولاً عند كل بادرة يرفعها مسئول في أقصى الأرض، حتى وإن كان وزيراً سابقاً أو جنرالاً متقاعداً.
هنالك ولا شك جوع قارص وأمية تتضاعف يوماً بعد يوم وأمراض تستشري في جسد العراق شعباً وأرضاً بينما العالم العربي بمثقفيه وبشركاته ومسئوليه يتكئ مسترخياً على قدرية الوضع الراهن.
وهنالك أيضاً تجارب سابقة لهؤلاء المثقفين والمقاولين العرب في استراحة الوضع الراهن شهدناها وعاصرناها جميعاً في وضع بيروت الراهن والذي انتحر فيه الناس والأرض بسبب تورط مباشر لهؤلاء جميعاً في التنظير والتبرير لسياسة الوضع الراهن.
إن النضال ما هو إلا إفراز لحالة طبيعية للتحرر وللانطلاق وهي حالة لا تخضع لقوانين السياسة بقدر ما هي نزعة طبيعية بيولوجية يدفع بها الإحساس بالخوف والجوع والقرف. وهي حالة أصبحت متورمة في الجسد العراقي تتطلب دعماً وتفهماً وخطة ثقافية تنتشلنا والعراق من مستنقع الوحل الراهن.
لا شك أن النضال الحقيقي لا يعترف بالوضع الراهن بل بالظلم الواقع، وإلا لما استطاعت حركة “توباك أمارو” أن تخترق وضع “بيرو” الآمن لتعلن مطالب عادلة بإطلاق سجناء عصف بهم الظلم وكبلهم عنف السلطة!!
