شئون عربية

حرب الفزاعات

حرب الفزاعات

هل نحن مقبلون على حرب جديدة؟؟ ذلك هو السؤال الذي أصبح من أكثر التساؤلات إلحاحاً في الآونة الأخيرة، وبما جلبته من تطورات سياسية جديدة شكلت عقبات حقيقية أمام مسيرة السلام العربية – الإسرائيلية.
الأحداث من حولنا لا شك تقول بهذا، خاصة بعد أن علت لهجة الحرب الإسرائيلية، القلقة والمحذرة من “مفاجأة” سورية قد تعيد الجميع إلى نقطة الصفر. بينما تسعى سوريا أيضاً إلى تعزيز دفاعاتها واستعداداتها العسكرية خوفاً هي الأخرى من مفاجأة إسرائيلية محتملة.
ذلك ما تقوله الأحداث وما تفرضه من توقعات غير أنها جميعاً تبقى عرضة للصحة أو عدمها، وبينما تتأرجح التوقعات العسكرية بين نعم ولا، تأتي التنبؤات الاقتصادية حقيقة وثابتة. فالهاجس الإسرائيلي من هجوم سوري قد دفع إسرائيل إلى المطالبة بتقليص الميزانية العامة بمقدار 1.6 بليون دولار، في مقابل زيادة ميزانية الجيش. بينما أدى القلق السوري إلى التركيز على إمكانية الحصول على قطع غيار لأسلحتها الروسية الصنع تعزيزاً لقدرات سوريا الدفاعية.
لا شك أن الأطراف جميعها تدرك جيداً أن الحرب الآن وفي ظل التطورات الراهنة قد غدت احتمالاً ضعيفاً. ومع هذا فلا سوريا ولا إسرائيل تملكان القدرة على الحد من التسلح والذي يستنزف قدرات الأطراف كلها. بل هما مدركتان جيداً أن المطلوب الآن من كلا الطرفين الاستعداد للحرب، لا الحرب ذاتها خاصة أن عجلة التنمية الراهنة في الغرب في زمن الطموحات الفضائية، وتكنولوجيا الكمبيوتر والذرة، تتطلب اقتصاداً صلباً وقوياً، وموارد اقتصادية مفتوحة وهائلة في مردودها وحجمها، وهو ما أصبحت الولايات المتحدة خاصة تركز جل اهتمامها عليه. إلى درجة الالتفاف على التزاماتها بمناصرة الحق البشري وبالتنازل جهراً عن مبادئ حقوق الإنسان في سبيل تأمين عائدات مالية، مثلما حدث في صفقة طائرات “إف – 16″ المقاتلة التي أرسلت إلى أندونيسيا على الرغم من كل التحفظات التي دائماً ما تبديها الإدارة الأمريكية تجاه النظام القائم في أندونيسيا.
إذن باستطاعتنا القول، وعلى ضوء السياسة الأمريكية المتبعة في المنطقة، إن الاستعداد لـ”المعركة” والتحضير والإعداد لـ”الحرب”، هما استراتيجية الغرب الجديدة. والتي لا يشك أحد في تكلفتها المالية والنفسية علينا جميعاً نحن الطرف الأضعف في معادلات للربح والخسارة.
لا شك أن انتهاء الحرب الباردة قد أكد لأقطاب الصراع السابق حاجتهم إلى عدو جديد يبرر استنزاف الموارد في دول العالم الثالث.. خاصة بعد أن تأكد الكبار أن انقضاء الحرب الباردة لا يطعم خبزاً، وأن تحويل الصناعات العسكرية إلى أغراض مدنية لا يزال حلماً عصياً. وأن بيع طائرة عسكرية واحدة يعد صفقة ناجحة وأكبر بكثير من عملية تحويل مصنع الطائرات العسكرية بأكمله إلى الاستخدامات المدنية.
ليست حرباً إذن تلك التي يهددون بها ويروجون لها. بل صفقة اقتصادية تحقق المزيد من أموال بيع السلاح والعتاد، وتوفر الوظائف للأيدي الأمريكية العاطلة، وتشكل عائداً شبه دائم للولايات المتحدة بفضل التحالفات والاتفاقيات العسكرية بينها وبين دول كثيرة في العالم الثالث، عائداً ضريبياً ثابتاً تلتزم بأدائه ودفعه دول كثيرة ثمناً لانتشالها من فوضى الخوف والرعب التي تثيرها “فزاعات” المنطقة، مثل “صدام حسين” في الخليج، و”نتنياهو” في الشرق الأوسط.
هي إذن حرب “الفزاعات” قد لا يكون بأيدي دول المنطقة تجاهل تبعاتها ومخاطرها. وقد لا يكون بأيدينا الكثير مما نفعل تجاهها، وإن كان إدراكها والوعي بتفاصيلها يفرضان علينا عدم التطرف في الانصياع لشروطها والاستمرار في بناء ترسانات عسكرية لا يمكن أن تؤمن لنا انتصاراً سياسياً، خاصة بعد التراجع المخيف في خطط التنمية والذي أصبحت تعيشه المنطقة العربية بأسرها، وهي تنتظر حرباً بعد أخرى من حروب الفزاعات.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى