البداية من اليمن ليست صدفة

“البداية من اليمن.. ليست صدفة”
غضب المواطن.. ورجل الشارع الكويتي الشديد.. من الدعوة إلى المصالحة مع اليمن.. ثم من زيارة وزير الخارجية التونسي للوطن.. أمر مفهوم جداً.. ورد فعل طبيعي للموقف الذي اتخذه كلا النظامين إبان فترة الغزو البغيض.. فالرفض الشعبي للمصالحة.. وللزيارة أمر طبيعي.. فما زال الجرح غائراً.. وما زال في النفس ما بها من حزن واستياء للموقف العربي تجاه عدوان النظام العراقي على الوطن.
لكن الشيء غير المفهوم.. هو رد الفعل الرسمي.. والتصعيد الكبير لمبادرات المصالحة وتنقية الأجواء العربية بما فيها الاتصال باليمن.. ودعوة وزير الخارجية التونسي.
فقد لا نبالغ كثيراً إذا ما قلنا أن أزمة الخليج ممثلة باحتلال الوطن.. وانتهاكه من قبل نظام عربي.. ليست السبب الرئيسي في انهيار النظام الإقليمي العربي.. فبصرف النظر عن الجدل الطويل، والذي كان دوماً قائماً عن حقيقة التضامن العربي.. فإن الشواهد الكثيرة.. وحتى فيما قبل احتلال الوطن كانت تؤكد عدم صحته.. وعدم وجود ذلك التضامن وإذا كانت أزمة احتلال الوطن قد أكدت شيئاً جديداً.. فهو في انهيار الجانب النظري من مفهوم التضامن العربي.. مما يعني أن ردود الفعل لكل دولة عربية تجاه الاحتلال.. أمر لم يكن خافياً على القائمين على الإدارة السياسية.. فهو وإن كان مفاجأة لرجل الشارع.. والمواطن العادي.. فإنه بكل تأكيد أمر لا يحمل نفس عناصر المفاجأة للعالمين ببواطن الأمور.. والقائمين عليها.
ليست صدفة أن تجيء البداية من اليمن.. فالمصالحة مع اليمن.. لا تعني الوطن وحسب.. فهناك دول أخرى يهمها كثيراً عودة اليمن إلى الحظيرة الخليجية.. وتعنيها بصورة كبيرة عوامل الاستقرار في اليمن.. إضافة إلى عامل جوهري هنا.. وهو أن المواطن اليمني حظي بسخط أقل عن أقرانه من مواطني دول (الضد).. سواء في هذا الوطن أو في دول الجوار فقد كانت هناك دوماً رغبة في احتواء اليمن.. تلك الدولة (شبه) الخليجية.. والتي كان لخروجها عن منظومة دول الخليج بتأييدها لغزو النظام العراقي للوطن.. مؤشرات خطر.. تدركها دول الخليج جيداً.. وقد تكون بداية المصالحة من اليمن.. هي إحدى مؤشرات إدراك دول الخليج للدور اليمني بخلاف الشعب اليمني.. فإن النظام اليمن هو صاحب أكبر رصيد من النقمة الشعبية.. فعلى الرغم من أن موقفه كنظام لا يختلف عن مواقف الأنظمة العربية الأخرى المتخاذلة عن دحر العدوان.. إلا أن دوره في مجلس الأمن.. إبان أزمة احتلال الوطن.. ومعارضته للقرارات الصادرة بشأن تحرير الوطن.. قد ساهم إلى حد كبير في ترسيخ موقف النظام اليمني المتخاذل في ذهن المواطن الخليجي بصفة عامة لذا فقد جاء التقارب مع اليمن.. خاصة في ظل استمرار ذات النظام يحمل الكثير من الاستهتار بمشاعر الوطن.. مما يجعل بداية المصالحة مع هذا النظام تحمل ما تحمل من تساؤلات كثيرة!!
عنصر المفاجأة الذي باغت المواطن.. بتدشين جهود تنقية الأجواء العربية.. بالنظام اليمني.. لا يعني أنه قد فاجأ كذلك جهاز الدولة الرسمي.. فعلى الرغم من أن الدعوة للمصالحة مع النظام اليمني لم تأتِ بصورة علنية وصريحة.. كما جاءت في استقبال الوزير التونسي.. إلا أن ذلك لا يعني أن البصمات الرسمية واضحة للعيان.. على الرغم من محاولة التمويه والتضليل.. سواء من خلال إنكار وزير خارجية الوطن للقائه بنظيره اليمني – على الرغم من كل التأكيدات من حوله – أو من خلال الدور الرسمي الخفي الذي جاء في زيارة رئيس تحرير بإحدى صحف الوطن للنظام اليمني.
وعلى الرغم من أن زيارة الوزير التونسي.. قد استطاعت أن تمتص شيئاً من السخط الشعبي للقاء الذي تم بين رئيس تحرير جريدة “السياسة”.. ورئيس النظام اليمني.. إلا أن كلتا الزيارتين قد استطاعتا أن تؤدي أغراضها.. سواء من خلال كسر حاجز التخوف من المبادرة الرسمية لتنقية الأجواء العربية.. أو من خلال قياس ردود الفعل تجاه مثل هذه المبادرات.
إن تنقية الأجواء العربية.. هو أمر لا نملك حياله خياراً.. فهو قضية تفرضها مستجدات كثيرة عصفت بالمنطقة العربية بأكملها.. قد يكون على رأسها.. المفاوضات العربية – الإسرائيلية والمحاولات الحثيثة القائمة من حولنا لاحتواء الجانب الفلسطيني ومنظمة التحرير.. ذلك الاحتواء الذي أكده التراجع عن مواقف فترة الغزو من قبل بعض دول الجوار.. وإعادة النظر التي بدأت تلك الدول تبديه تجاه الفلسطينيين.. والذين هم على قائمة الرفض في هذا الوطن.. ولا نتصور أننا بحاجة إلى التذكير بتراجع أو انتهاء الدور السياسي للنفط.. والذي كان وإلى ما قبل احتلال النظام العراقي للوطن.. ركيزتنا الأساسية في إملاء شروطنا وقوانيننا.
إن الانفعال والعاطفة.. هي ملك لرجل الشارع.. والمواطن الذي لا يملك الوسيلة إلى فرض مطالبه وشروطه.. لكن فقه التعامل والتمييز مع المستجدات.. هو من واجب المسؤول وصاحب القرار. لذلك فالموقف الرسمي الذي اتخذه مجلس الأمة تجاه زيارة الوزير التونسي.. أو ما سيعقبها من محاولات.. هو أبعد ما يكون من التعامل الناضج من واقع المصالح بين الدول والحكومات.. فالمصلحة لا غيرها هي التي جمعت جحافل الجيوش من كافة أرجاء المعمورة لاستعادة الوطن.. ونحن لا تزال بحوزتنا من القضايا ما يتطلب تعاملاً دبلوماسياً ناضجاً لتحقيقها.. فقضية الأسرى والاعتراف بحدودنا طازجة الترسيم.. ما زالت بحاجة إلى جهود كبيرة للتأكيد عليها.. بل وقد لا نبالغ إذا ما قلنا أن فرصتنا الأكبر.. في أن نشكل عامل ضغط لتخليص المنطقة بأكملها من نظام بغداد الجائر.. في وضع شروطنا للتقارب العربي.. سواء كان يمنياً.. أو تونسياً.. بقطع العلاقة أولاً بنظام بغداد.. لإثبات صدق النوايا.
وأخيراً.. فلنتذكر هنا جيداً.. أن تحرير الوطن حققه ترابط وتشابك المصالح.. وليس مانشتات وافتتاحيات الصحف والجرائد!!
