أم الكتاب

أم الكتاب
بنظرة خاطفة وسريعة على الخريطة السياسية العربية، تبرز لنا صور مكررة للاستبداد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، تكاد لا تخلو منها دولة أو عاصمة عربية! وقد يبدو الأمر غريباً للوهلة الأولى، لولا أن الناظر لتلك الصور يدرك غياباً واضحاً للوعي عند المواطن العربي بشكل عام، مما جعله يقع فريسة سهلة للاستبداد بكل أشكاله وصوره!
ففي العراق، يسقط جلاد دكتاتوري، فيرفع الناس صوراً لجلاد آخر، كما لو كانوا قد اعتادوا استبداد الفرد، فاستبدلوا فرداً بآخر! وفي الأرض المحتلة يصر المناضلون والمقاومون على التمسك باستبداد السلطة مع كل ما سببته من إخفاقات وانكسارات سياسية لمسيرة النضال الفلسطيني في وجه المغتصب الصهيوني! أما في العاصمة العربية الفلانية فيصر المواطن على تمرير سلطة الاستبداد وتوريثها للأبناء، بينما تجمع العاصمة العربية الأخرى على ترسيخ المستبدين بانتخابات تقارب المئة في المئة، وهكذا يطوي مسلسل الاستبداد السياسي حاضر العالم العربي كما طوى ماضيه.
والمثير في الأمر هنا، أن الأدب العربي وعبر تاريخه يحفل بالمفكرين الذين نبذوا مظاهر الاستبداد وحذروا منها، فها هو عبدالرحمن الكواكبي يفرد مؤلفاً خاصاً حول طبائع الاستبداد يصلح، وعلى الرغم من قدمه، أن يكون دستوراً يبني عليه عالمنا العربي حاضره المتآكل بفعل الاستبداد والظلم!
يرى الكواكبي (1854-1902) أن الأمة التي لا يشعر أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية، حيث يقول: “إن الأمة إذا ضربت عليها الذلة والمسكنة وتوالت على ذلك القرون والبطون، تصير تلك الأمة سافلة الطباع، حتى أنها تصير كالبهائم أو دونها، لا تسأل عن الحرية، ولا تلتمس العدالة، ولا تعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولا ترى لها في الحياة وظيفة غير التابعية للغالب عليها، أحسن أو أساء على حد سواء، وقد تنقم على المستبد نادراً، ولكن طلباً للانتقام من شخصه لا طلباً للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيد شيئاً إنما تستبدل مرضاً بمرض كمغص بصداع”.
ويقدم الكواكبي أيضاً في دستوره التاريخي درساً في ضرورة التحرك وفقاً لاستراتيجية مدروسة كشرط لنجاح مشروع التحرر من الاستبداد، فيقول: “إنه يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد، لأن معرفة الغاية شرط طبيعي للإقدام على كل عمل، كما أن معرفة الغاية لا تفيد شيئاً إذا جهل الطريق الموصل إليها. بل لا بد من تعيين المطلب والخطة تعييناً واضحاً موافقاً لكل رأي، أو لرأي الأكثرية، التي هي فوق الثلاثة أرباع عدداً أو قوة بأس، وإلا فلا يتم الأمر، حيث إذا كانت الغاية مبهمة نوعاً يكون الإقدام ناقصاً نوعاً، وإذا كانت مجهولة بالكلية عند قسم من الناس أو مخالفة لرأيهم فهؤلاء ينضمون إلى المستبد فتكون فتنة شعواء”.
كتاب الكواكبي هذا ينطق حكمة، لكنه وبكل أسف لم يحل في أهله، لذا فلا عجب إذا ما تعرض الكواكبي للاضطهاد والسجن مراراً، ولمصادرة الأموال والممتلكات، ليتوفى بعد ذلك في القاهرة متأثراً بسم دس له في فنجان القهوة، حيث يرثيه حافظ إبراهيم ببيتين من الشعر نقشا على قبره:
“هنــا رجــل الدنيــا مهبــط التقى
هنــا خيـر مظلــوم هنــا خير كاتب
قفــوا واقــرؤوا “أم الكتــاب” وسلمــوا
عليــه فهــذا القبــر قبــر الكواكبــي”
فهل يا ترى لو كنا قرأنا “أم الكتاب” سلمنا من استبداد صدام حسين وغيره من علامات الاستبداد العربي؟ ربما!
