من سياتل.. البقاء للأغنى!!

من سياتل.. البقاء للأغنى!!
يقال إن التاريخ يكرر نفسه، ويعيد لعبته ومزاجه، ويقال كذلك إن الدورة البشرية في المجتمعات عبر التاريخ، أو ما يسمى بفارق الأجيال تقدر بثلاثة وثلاثين عاماً. بمعنى آخر، إن المزاج والتوجه البشري سواء كان سياسياً أم اجتماعياً أم ثقافياً يتكرر كل ثلاث وثلاثين سنة!!
الآن ونحن نشهد تلك الفوضى والاضطرابات التي أثارها الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في سياتل بالولايات المتحدة، والمظاهرات العارمة والمعارضة لحرية التجارة التي تبنتها الدول الصناعية الكبرى في الولايات المتحدة وفي الاتحاد الأوروبي وبدعم من اليابان لاستمالة الدول الفقيرة لحملها على دعم إطلاق جولة جديدة من المفاوضات التجارية متعددة الأطراف. نقول، ونحن نشهد تلك الاضطرابات ونتذكر معها ذلك التحرك العمالي العارم الذي شهدته مدينة “سياتل” في الستينيات وما أعقب ذلك من تظاهرات عمالية وطلابية عمت دولاً كثيرة في الخارطة الدولية. أما الشعارات التي حملها المتظاهرون في مدينة “سياتل” مؤخراً. فإنها تؤكد حتمية العودة في التاريخ، فنسترجع على هامشها شعارات العمال في الستينيات ودعاة السلام آنذاك خاصة ضد الحرب في فيتنام وكل صراعات الحرب الباردة!! فمن قلب “سياتل” خرجت شعارات تندد “بالرأسمالية التي تقتل كل مظاهر الحياة”، وشعار “الشعب قبل الأرباح” وأن منظمة التجارة العالمية تمتص الدماء، وتفسد الطعام، وتضر بالسيادة الوطنية، وبأنها منظمة للرق. ورفع المتظاهرون لافتات من بينها “الاستغلال للنساء والأطفال والأرباح للشركات” وأيضاً “أرباح الشركات الكبرى ثمنها ظروف العمال المزرية”!!
وهكذا فقد فشل المجتمعون في “سياتل العالمية” وسقط بهذا الفشل مشروع “العولمة” في أول ظهور علني له!! وبدأ المتشدقون والمنظرون للعولمة وشروطها في البحث عن أسباب “أخرى” لفشل مؤتمر التجارة العالمية تبرئ العولمة وأهلها من أحداث وتداعيات المؤتمر في سياتل!! وعجز الرئيس الأمريكي عن إضفاء سمات إنسانية تلطف المؤتمر وتوفر “جرعة” تشجيعية للفقراء من الدول النامية، فلم تفلح وعود الرئيس الأمريكي حول ضرورة احترام معايير العمل الأساسية، وفرض العقوبات التجارية على الدول التي لا تحترم حقوق العمل وتسمح بعمل الصغار في التخفيف من السخط والغضب الموجه للمؤتمر.
باختصار شديد، فإن فشل المؤتمر يعود أساساً إلى ضخامة حصة العالم الأول أو الولايات المتحدة وأوروبا في مقابل تواضع حصة الدول النامية من ذلك الانفتاح التجاري العالمي!!
يحمل مشروع “العولمة” دعوة لإلغاء الحدود وفتح المنافذ في سبيل بناء العالم القرية. وهو بذلك يكون مشروعاً جميلاً ورائعاً يلخص الحلم البشري الدائم والخالد في بناء المدينة الفاضلة، وعالم اليوتوبيا المثالية!! لكن غريزة الإنسان ونزعة التملك والسيطرة تبقى هي الأقوى والأعنف!! لذا فإن الخلاف حول فكرة العولمة والتي فجرها اجتماع سياتل ليس على الفكرة بحد ذاتها، وإنما على القائمين بها وأسلوبهم في التطبيق!!
تأتي العولمة كأحد نتاجات انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، وهي لا تعني انتهاء الصراع ولا التاريخ!! وإنما هي تحول من طبيعة وأدوات الصراع خاصة في ظل التطور المذهل للتكنولوجيا، وللثورة المعلوماتية العارمة التي جلبت معها ثقافة وقيماً ومبادئ جديدة كان أحدها القرية الكونية الصغيرة!! لكن التحول في أدوات الصراع، لم يجلب معه تحولاً في مواقع المتصارعين، ولا تزال الدول النامية أداة في يد العالم الأول، وقد كان ذلك واضحاً في مؤتمر “سياتل” الذي كان ساحة لصراع الولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد الأوروبي، وكانت فيه الدول النامية ودول العالم الثالث الأداة التي تراشق بها الأطراف في “سياتل”!!
لقد حمل المؤتمر تهميشاً واضحاً لدور وحق الدول النامية من ذلك الانفتاح التجاري، على الرغم من أنها تشكل ثلث أعضاء منظمة التجارة العالمية، وفي المقابل ستحظى الولايات المتحدة والشركات العملاقة بالنصيب الأكبر من فتح الحدود التجارية، ومن الطريف أن وفود الدول النامية كانت تصطف بطوابير طويلة أمام المقهى الأمريكي “ستار بوكس” لتشتري القهوة، علماً بأنها في ضيافة أعظم اقتصاد في العالم!!
بل لقد كانت تدفع الثمن مضافاً إليه 15 في المئة كضرائب للحكومة الأمريكية!!
قد تكون العولمة مشروعاً مجحفاً غير منصف، لكنه وضع قائم يتعين على دول العالم الثالث التحضير له والاستعداد لمعاركه والتي شهدنا بعضاً منها في مؤتمر “سياتل” الذي أسقط نظرية داروين البيولوجية القائلة إن البقاء للأقوى، لتصبح ذات صبغة اقتصادية بحتة، ويكون معها البقاء للأغنى!!

