شئون خليجية

قمة العبور!

جريدة الطليعة 1999/12/8

في كل مرة تنعقد فيها القمة الخليجية، يتضح للجميع بمن فيهم قادة مجلس التعاون مقدار البطء في مسيرتهم التعاونية وعلى مدى عشرين عاماً!! ولا نستثني من ذلك القمة الأخيرة التي عقدت في الرياض!! ولعل في ورقة العمل التي قدمتها السعودية ما يشير إلى مكامن القصور في المسيرة التعاونية!! وعلى الرغم من أن هذه الورقة لم تدرج على جدول الأعمال وإنما تم بحثها في اجتماع القادة المغلق، إلا أنها تسربت خارج أبواب القاعة المغلقة وجرى التطرق إليها في أكثر من صحيفة خليجية!!
وقد تطرقت الورقة إلى محاور رئيسية جاء على رأسها ضرورة العمل على تفعيل الدور السياسي للمجلس وإعادة النظر في نظامه الأساسي بما يتواكب مع التطور، وأيضاً تفعيل آليات القرار ووضع تصور جديد لتنشيط، عمل أجهزة المجلس وهذه بلا شك قضية مهمة وملحة في سبيل النهوض بالمجلس، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار حجم المتغيرات والمستجدات السياسية والاقتصادية التي طرأت منذ إنشاء المجلس في فبراير 1981 وبعد أقل من نصف عام من اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية!!
كما تضمنت الورقة السعودية ضرورة وضع استراتيجية نفطية لدول مجلس التعاون تتضمن تصوراً للسياسات المطلوبة للمرحلة المقبلة ووضع أطر محددة للتعاون!! وهذه أيضاً مسألة حيوية ومهمة خاصة إذاً ما نحن أدركنا أن ظهور النفط قد دشن بداية جديدة لدول الخليج بشكل عام، وانعكس على سياستها وعلى تعاملها وعلاقاتها بالآخرين سوا على المستوى الإقليمي أو العالمي!!
وكذلك ركزت الورقة السعودية على ضرورة تفعيل الاتفاقية الاقتصادية وتطويرها، وأيضاً تحديد استراتيجية واضحة لتعامل دول المجلس مع المنظومات الأخرى دولاً وتجمعات!!
إن قمة العبور إلى الألفية الثالثة لا تحمل من سمات الألفية المقبلة شيئاً!! ولا تزال مشاريع مجلس التعاون دون التحديات الخطيرة والمهمة كالتي أصحبت تلوح في أفق القرن المقبل!! ولكي لا يلاقي مجلس التعاون مصير جامعة الدول العربية فقد أعلن القادة الخليجيون عن موعد أقصاه 2005 للتعرفة الجمركية الموحدة!!
عشرون عاماً مضت ولم يستطع مجلس التعاون إنجاز شيء ملموس بخلاف تخصيص ممرات عبور في المطارات الخليجية مخصصة لحاملي الجواز الخليجي!! عشرون عاماً مضت ولم يطرأ أي تحول سياسي في أي من دول المنظومة الخليجية.. عشرون عاماً، لم تستطع خلالها دول الخليج التنسيق فيما بينها للحفاظ على ثروتها القومية واستثمارها بصورة أكثر نضجاً خاصة مع ما يسيطر على السوق النفطية من تنافس وصراع!!
عشرون عاماً ولا يزال البيان الختامي لقمة مجلس التعاون يكرر نفسه ويعيد صياغة عباراته ومفرداته!! فيشير إلى ضرورة إيجاد آلية للتفاوض بين إيران والإمارات بشأن الجزر الثلاث!! ويؤكد أن التعاون العسكري الخليجي “يسير بخطى مدروسة”!! وكالعادة فإن البيان الختامي يتضمن شيئاً عن إعلان دمشق تأكيداً على استمرار مسيرة التعاون بين دول الإعلان!!
لقد أصبحت القمم الخليجية محرجة سياسياً، ومحبطة للمواطن الخليجي المتطلع إلى مزيد من الحريات والديمقراطية بشكل عام!! خاصة بعد أن ضاقت بالمجتمع الخليجي روح القبيلة المحدودة والتي كانت مسيطرة بفعل عوامل تاريخية واقتصادية!! وبعد أن توسع المجتمع ثقافياً وسياسياً، وامتد اجتماعياً ليشمل طبقات حديثة وانتماءات جديدة لا تصنيف لها في معجم القبيلة بنطاقها وسلوكها المحدودين!!
إن التحدي الأكبر الذي أصبح يواجه مجلس التعاون ودوله الخليجية هو ذلك التحول السياسي المطلوب لاحتواء هذا المجتمع الآخذ في النمو والتمدد بسرعة مذهلة، وهو مجتمع يختلف عن مجتمع ما قبل النفط، وعن المجتمع الذي ساد في زمن الوفرة المالية التي أعقبت تصدير وتصنيع الثروة النفطية!! وإذا كان تبديد وتوزيع الثروة آنذاك أسلوباً خليجياً معتمداً لاحتواء مجتمع القبيلة السابق!! فإن الاستعانة بالأسلوب نفسه الآن أمر صعب للغاية، لسببين الأول تراجع الثروة في مقابل النمو والتمدد السكاني والبشري!! والثاني التغير والتبدل الذي طرأ على أولويات المواطن الخليجي الحديث بشكل عام!! والذي أصبحت له مطالب أخرى وأولويات حديثة كالديمقراطية والحرية بأشكالها!! لهذين السببين وغيرهما جاءت القمة الخليجية العشرون محبطة للآمال!! لأنها تمسكت بصيغتها القديمة، وهي تستقبل حداثة الألفية الثالثة والتي سبكون من الصعب العبور إليها دون الديمقراطية والحرية، ومن المستحيل التنقل والحركة فيها دون دستور يعترف بالتعدد والاختلاف وبحقوق الإنسان كلها!!

الطليعة 1999/12/8

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى