شئون خليجية

البحرين.. ورياح الحداثة

جريدة الطليعة 1995/2/1

يقول جان جاك روسو: إن شكل الدولة ونظام حكمها يعتمدان أساساً على حجم الدولة، وعدد سكانها، بمعنى أن تغيراً كمياً معيناً في ذلك من شأنه أن يقود إلى تغيير نوعي في طابع السلطة السياسية!!
كلمات “روسو” تلك تعبر تعبيراً جيداً عن المأزق الذي تعاني منه الأنظمة السياسية في عالمنا العربي عموماً.. وفي دول الخليج بوجه خاص.. وحيث لا تزال قضية الحق السياسي.. قضية عالقة مشوشة!! وسواء تحدثنا من منطلق إسلامي أو عربي.. فإن مسألة الحق السياسي ستبقى من أكثر المسائل إثارة للصراعات!! فقد برزت كأول الاختلافات السياسية في أعقاب وفاة الرسول c.. حيث كان الاختلاف حول من يحمل الزعامة بعد الرسول c.. هل هي أسرة الرسول.. أم المهاجرون والأنصار.. أم قريش.. أم تكون الزعامة في المسلمين كافة!!
الذي يحدث في البحرين الآن.. هو امتداد لتلك القضية العالقة.. قضية الحق السياسي!! فعلى الرغم من قصور النظر الخليجي في التعامل مع أزمة البحرين.. الذي اتسم بطابع أبوي تقليدي!! إلا أن البحرين تبدو عازمة على رفض ديمقراطية القبيلة.. في سبيل ديمقراطية مباشرة.. يرسخها مجتمع مدني يتفق مع تيار الحداثة القادم!!
لقد هبت رياح الحداثة من قبل على البحرين.. عندما جرت الانتخابات النيابية فيها في العام 73.. وعلى الرغم من أنها لم تكن المرة الأولى التي يباشر فيها البحرينيون حقهم في الانتخاب.. فقد انتخبوا عام 1919 مجالس بلدية.. كما انتخبوا عام 1956 مجلسين للتربية والصحة.. وكذلك انتخبوا جمعية تأسيسية في العام 72!! وذلك قبل أن يتجمد مشروع الحداثة.. مع حل البرلمان في العام 1975!!
البحرين لا تعاني من (أصولية إسلامية.. وإرهاب تغذية إيران، والحركات المتطرفة)، كما يحاول البعض أن يصفه كتفسير للأحداث المؤسفة هناك!! والبحرين لا تقف على حافة حرب طائفية بين مواطنيها الشيعة والسنة.. وكما يشيع البعض!! أن نختصر دوافع الأحداث الأخيرة في البحرين بكونها صراعاً دينياً طائفياً.. يحمل مخاطر لدول المنطقة بأكملها!! أمر لا شك يحمل امتهاناً وإنكاراً للدور السياسي الذي طالما لعبته البحرين في إثراء الحس الديمقراطي والحداثي في المنطقة!! فعلى الرغم من حجم الجزيرة الصغير.. إلا أنها كانت دوماً متصدرة دول الخليج في الانفتاح والتعليم.. والثقافة سياسية كانت أم معرفية!! ويكفي القول أن الكويت والبحرين هما البلدان الوحيدان اللذان يملكان محاكم مدنية!!
البحرين دولة متواضعة الدخل.. خاصة عند مقارنتها بدول الخليج الأخرى!! واتساع الرقعة السكانية قد أدى إلى مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية للكثير من مواطني هذه الجزيرة الصغيرة!! والبحرين كذلك لها تاريخها السياسي.. الديمقراطي العريق.. والذي لا يزال موقوفاً منذ تعليق البرلمان في بداية السبعينيات!! والبحرين أيضاً دولة مستقلة ذات سيادة.. إلا أن بريطانيا ما زالت مهيمنة اقتصادياً.. وأمنياً حيث يرأس جهاز الأمن في البحرين خبير الأمن البريطاني ( أيان هندرسون) مستعيناً بطاقم موظفين بريطاني!!
أما موقعو العريضة (المخربون) والذين تم اعتقالهم.. أو ترحيلهم بصفتهم من معوقات الاستقرار!! أو بفصلهم من وظائفهم بحجة الإخلال بالأمن!! فهم يطالبون بحقهم في العمل.. وبإعادة العمل بالدستور.. لا أكثر!!
الذي يحدث في البحرين ليس بقضية أمنية داخلية.. ومعالجتها بكونها كذلك.. يلغي عنها مغزى الرسالة السياسية والتي توجهها أحداث البحرين إلى دول الخليج كافة!! وهي رسالة تنادي بوجوب البدء فوراً بإعلان مصالحة بين الحاكمين والمحكومين!! والمصالحة لا تجلب إرباكاً للأمن.. بل بالعكس!! فهي تحول المواطنين من مجرد أرقام تتكرر في التعداد السنوي للسكان.. إلى مواطنين حقيقيين يسهمون في صياغة القرار السياسي.. ويذودون بذلك عما أسهموا في خلقه وصياغته.. فيدفعون إلى مزيد من الأمن والاستقرار لدولهم.. مما قد تعجز عنه الجيوش.. والأسلحة!! وتلك معادلة قد تبدو يسيرة.. لكنها تتطلب إيثاراً كنا منه قاب قوسين أو أدنى يوم أن تلاشى الوطن أمام أنظارنا!!

الطليعة 1995/2/1

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى