الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

لماذا صمت الشعراء؟!

لماذا صمت الشعراء؟!

محطة التلفزيون الفضائية “الجزيرة”، وهي شركة قطرية مساهمة شبه حكومية، أجرت لقاء ضم رئيس تحرير جريدة “القدس” عبدالباري عطوان، ورئيس تحرير جريدة “العرب” أحمد الهوني وهما جريدتان تصدران في لندن، بالإضافة إلى رئيس تحرير جريدة “السياسة” الكويتية. وقد أثار الحوار قضية العراق بوجه عام، والخلاف العالق بين الكويت والنظام العراقي.
الذين تابعوا اللقاء لا شك قد استاؤوا من ذلك الإصرار العنيد الذي أبداه رئيسا تحرير “القدس” و”العرب” على (الحق العراقي) في الكويت. وتشبثهم بمنطق “المحافظة التاسعة عشرة” بصورة أفقدت الحوار كل مقومات الموضوعية والتجرد، والتي كان من الواجب أن ينتبه لها مؤيدو (الحق العراقي). هذا بالإضافة إلى المراوغة التي مارسها القائمون على البرنامج سواء من خلال عدم إعطاء الفرصة للطرف الكويتي المتمثل برئيس تحرير جريدة “السياسة” أو من خلال تجاهل المكالمات الهاتفية التي كانت تصل إلى البرنامج، إذا كان مصدرها الكويت.
“الجزيرة” الفضائية، هي محطة خليجية عربية، تخاطب المواطن العربي، هدفها الشأن والهم العربي، أو ذلك ما يفترض أن يكون عليه الحال. والعراق اليوم بلا شك قد أصبح أكبر الهموم العربية، وخلاص الشعب العراقي هو اليوم كبرى معضلاتنا. ونحن جميعاً لا ننكر على السادة رئيسي تحرير “القدس” و”العرب” تعاطفهما مع العراق وشعبه، بل لعلنا في هذا الوطن، قد أصبحنا أكثر إدراكاً لمأزق العراق وشعبه، بعد أن عانينا من ظلم طاغية بغداد، ورزحنا زمناً تحت عنف أعوانه، وبطشهم. غير أننا كذلك ندرك جيداً، وتدرك معنا إدارة محطة “الجزيرة” وكذلك رؤساء التحرير (العرب)، أن مشكلة العراق ليست في ضم الكويت، ولا في عجزه عن الاستمرار في احتلالها، بل لعل العكس هو الصحيح، فقرار الغزو أساساً قد ساهم في الإبقاء على الهم العراقي ومضاعفة معاناة شعبه، وذلك بضمان استمرار النظام الحاكم، والذي استطاع أن يهرب إلى الأمام بمشاكله واختناقاته الداخلية المتراكمة، وأن ينشد (بطولة) مزيفة فوق أشلاء المظلومين من العراق والكويت.
لقد ترجم منطق السادة رئيسي تحرير “القدس” و”العرب” درجة التردي التي أصبح عليها مثقفي العالم العربي، وكمية الزيف التي يتعامل بها الإعلام العربي. بل ونستطيع القول هنا، إن كارثة الغزو قد أبرزت وبشكل واضح الفساد الثقافي العربي الذي يعتبر مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن الكثير من الكوارث العربية. فعلى الرغم مما اشتهر به صدام حسين من حسابات خاطئة، إلا أن حسابه الوحيد الصحيح قد كان في اعتماده على ذلك الزيف الثقافي، وذلك الهوة الكبيرة التي كانت تفصل بين ما يمارسه المثقف العربي من قول ورأي، وبين ما يدركه من حقائق ثابتة.
لقد ساهم الإعلام العربي بوجه عام في خلق صدام حسين، لأسباب نعلمها جميعاً، وإن كنا لا نقبلها عذراً. كما كانت للمثقفين العرب مساهمة مشابهة من خلال إصرارهم العنيد، على عدم الإقرار بما حدث أو الاعتراف بدورهم المباشر في استمرار مسلسل العنف والقهر في العراق. فصدام حسين في نهاية الأمر هو ربيب تلك الثقافة المزيفة، والصحافة الرخيصة. لقد دفع المواطن العربي بوجه عام ثمناً باهظاً لذلك الزيف الثقافي ومرتزقة الصحافة الصفراء، فمارس العربي قتل أخيه العربي فوق أرض ورمال عربية. وخسر العالم العربي أموالاً طائلة وأحلاماً مستقبلية ستتطلب عودتها جيلاً كاملاً. كم كنا نتمنى لو أن محطة “الجزيرة الفضائية الخليجية” قد لعبت دورها الإعلامي المطلوب بموضوعية وعمق أكثر. ولا نتصور أن تجهل مؤسسة إعلامية مثل “الجزيرة” الدور المضلل الذي لعبه أرباب الصحافة الصفراء الرخيصة ليس في التطبيل لغزو الكويت وحسب، بل وللردح والغناء فوق أنات وأوجاع العراق الجريح.. وشعبه المظلوم. ولتأليه طاغية مارس القتل والعنف كما لم يمارسه بشر من قبل.
موجوعون نحن جميعاً كعرب، بتلك الغيبوبة التي تكاد تقضي على ما بحوزتنا من أمل في رؤية مستقبلية أفضل. وجزء كبير من أوجاعنا هذه يعود إلى أشباه المثقفين، ومرتزقة الفكر والإعلام من مثل أحمد الهوني وعبدالباري عطوان.. اللذين وبكل أسف يعمدان نفسيهما شاهدين لعصرهما.
ولقد قالها بريخت في إحدى قصائده:
“أنهم لن يقولوا: كانت الأزمنة رديئة
وإنما سيقولون: لماذا صمت الشعراء؟!”

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى