ورحلت مي

ورحلت مي
التقيتها للمرة الأخيرة في أغسطس الماضي، وكانت كعادتها دائماً مثقلة بهموم المنطقة وأزماتها! كانت المرة الأولى التي أرى فيها مي غصوب كسيرة وجريحة، فالحرب العبثية في لبنان الصيف الماضي كانت بالنسبة لمي حرباً على الطفولة والكتاب! فلقد دمرت وأحرقت وانتهكت مطابع “دار الساقي” في الضاحية الجنوبية! دار الساقي التي كانت الوطن والملاذ لمي غصوب!
كنت دائماً ما ألتقي مي غصوب في صومعتها بدار الساقي في حي “وستبورن غروف” بالعاصمة البريطانية! وكانت بالنسبة إليَّ وإلى آخرين يلتقونها ويعملون معها بشكل شبه يومي، مثالاً للمرأة المتعددة الملّكات والمواهب، فنانة وأديبة وشاعرة وناشرة وكل شيء! كانت مي غصوب مئة امرأة في جسد نحيل وقامة باسقة، أدارت بقلمها وبفكرها معارك ثقافية عديدة، فيما لبنان مزروع بقلبها، لكن العالم كله كان وطنها، خرجت من لبنان إثر حادث أليم في مطلع السبعينيات والحرب في أوجها، عاشت في باريس وهي المبدعة في الأدب الفرنسي، ودرست في لندن فنون النحت وإبداعاته، وهي التي تخرجت في الجامعة الأمريكية في لبنان بشهادة في الرياضيات!
كتبت بالإنكليزية والفرنسية والعربية كتباً ومسرحيات في السياسة والأدب والفن!
كان الحديث لا ينتهي مع مي غصوب، وكيف له أن ينتهي وهي منجم زاخر بكل فنون المعلومة والكلمة! تتحدث في الأدب، فتشعرك بأنها قد قرأت كل ما صدر فيه وتتناول السياسة، فتخرسك مبادئها، ويشدك إلمامها ودرايتها! أما حين تتحدث في فنون المسرح والنحت، فإنها تقف أمام تاريخ طويل من الإبداعات المسرحية والفنية، ولعل أحداً لا ينسى مسرحية “دينا” التي كتبتها مي غصوب بالفرنسية والعربية والإنكليزية.. ومزجت فيها عبق الشرق بروح الغرب!
حين قدمت مي غصوب في العام الماضي مسرحيتها “قتلة الكتاب”. كانت تترجم من خلالها كما هائلاً من المشاعر التي انتابتها جراء ما حل بالثقافة والكتاب في أرضها بيروت إبان حرب تموز من العام الماضي!
سيكون من الصعب حقاً على مرتادي “دار الساقي” في لندن وبيروت أن يعودوا ولا يجدوا مي غصوب! فهي لم تكن ناشرة وأديبة وحسب، بل كانت صديقة لكل من يصادق الكتاب! تستقبلك في مكتبها ثم تنقلك إلى داخل الفهارس لتساعدك في انتقاء الكتب! كانت تحفظ عن ظهر قلب مزاج كل قارئ وكل متردد على دارها في العاصمة البريطانية! تعرف بالتحديد ماذا يقرأ قراؤها!
قد لا يعرف الكثير ذلك الجانب الإنساني المفعم بالشفافية عن مي غصوب، لكنك متى عرفتها، ستدرك جيداً أنها ليست كاتبة وحسب وإنما مناضلة، تحمل فوق كتفها سلاح الكتاب، وكان آخر أسلحتها كتاب “لبنان لبنان” الصادر عن دار الساقي بالإنكليزية، الذي أرادت مي أن يكون ريعه بالكامل لطفولة لبنان الجريحة بفعل الحرب الأخيرة!
لم ترحل مي غصوب وإنما هي باقية في كل كلمة يدونها كاتب، وفي كل حرف يصفه شاعر. وقبل هذا وذاك هي باقية في قلوبنا جميعاً بعد أن ضمنا قلبها دائماً!
