رحلتي مع اليوغا

رحلتي مع اليوغا
أتممت هذا العام السنة الثلاثين منذ أن بدأت بممارسة اليوغا والتأمل! ثلاثون عاماً من الإبحار في هذا المجال اللامتناهي الأبعاد! وبالرغم من الممارسة شبه اليومية فإنني أكاد أجزم بأني لم أخطُ بعد أكثر من خطوتين في عالم اليوغا والتأمل الشاسع بأبعاده وفلسفته وعمقه!
من خلال رحلتي هذه مع اليوغا صادفت خلطاً كبيراً يمارسه الراغبون أو المريدون لما يتعلق بمفهوم اليوغا! فهي أولاً ليست رياضة بالمعنى التقليدي للكلمة، وليست حركات غريبة ووقوفاً على الرأس أو على اليدين، وغير ذلك مما يجتهد أغلب من صادفت لتحقيقها! فعلى الرغم من أهمية حركات التمدد والاسترخاء، وتطويع العضلات بليونة وسلاسة، فإن ذلك لن يحقق الهدف الحقيقي والمرجو من وراء ممارسة اليوغا بشكل عام!
اليوغا فلسفة قبل أن تكون رياضة، وإذا ما بدأنا وركزنا جل همنا على الشق الرياضي منها دون الفلسفي، فلن تؤدي بنا إلى أكثر من الحصول على جسد مرن، وليونة في العضلات وسلاسة في الحركات! بمعنى أن تأثيرها هنا لن يتجاوز تأثير أي رياضة أخرى نمارسها!
اليوغا هي منهج من مناهج الحكمة التي بذل في سبيلها فلاسفة كثر دماءهم وحياتهم وجلّ عملهم في هذه الدنيا! هي حكمة أساسها “وحدة الوجود”، التي تناولها ابن عربي والسهروردي والحلاج وبوذا وكريشنا، وغيرهم من فلاسفة التجلي والانعتاق من كل ما من شأنه أن يحد من تلك الوحدة، حيث لا أنا ولا أنت، بل أنا أنت وأنت أنا!
اليوغا هي فلسفة اللاثنوية، حيث المرئي والمدرك غير منفصلين عن اللامرئي وغير المدرك، وأن جميع الشرور تنبع من جهلنا لهذه الحقيقة، حقيقة لا يمكن أن ندركها بالتفكير، فالذهن، كما تقول فلسفة اليوغا، هو ولا سواه العلة المباشرة لعبودية البشر، ولا تحرر من ذلك إلا باتحاد الإنسان مع نفسه ودواخله أولاً!
مشكلة الإنسان كما يراها “المتيقظون”، أو الذين حققوا اتحاداً كاملاً مع دواخلهم، أن الجسد أو المادة بشكل عام يشكل مقاومة سالبة تعيق مثل هذا الاتحاد أو التطور الروحاني والوصول إلى مرتبة الحكمة والمعرفة!
قدم أحد كتب الشرق وصفاً لكيفية الانعتاق والتحرر من خلال اليوغا، حيث شبّه الجسم البشري بعربة تجرها جياد جامحة، وهي الحواس، فيعجز “الحوذي”، أي الذهن، عن كبح جماحها، بينما تقبع “الروح” في قاع المركبة تتألم في صمت!
وهنا تطرح اليوغا منهجاً تأملياً يسمح للحوذي (الذهن) بكبح جماح الجياد (الحواس)، حتى يتمكن من إيقاف المركبة، بحيث تستطيع الروح أن تنزل منها، أو بمعنى آخر أن تغادر الجسد بعد أن تنتهي الحاجة إليه!
اليوغا والتأمل عالم لا متناهٍ في أبعاده كما ذكرت في البداية، ومهمة الوصول لم يدركها ولا يدركها سوى قلة من البشر، استطاعت أن تغادر “مركبة الحوذي الجامحة” بسلاسة ويسر!

