الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

بمناسبة معرضه في مدريد

[نشر التقرير في إحدى الدوريات الأجنبية وقد ترجمته للعربية سعاد المعجل ونشر في القبس الثقافي بتاريخ 12/5/1994.]

بمناسبة معرضه في مدريد

سلفادور دالي من عبث الوعي إلى جنون اللاوعي
ما إن يأتي ذكر الفنان التجريدي “سلفادور دالي” إلا ويستدعي الخيال صورة أغرب شاربين عرضهما تاريخ الفن والرسم والإبداع وبحيث أصبح شاربا “سلفادور دالي” مدخلاً ورمزاً لشخصه ولأعماله…
ففي جواب على سؤال طرحه المصور الفوتوغرافي “فيليب هالسمان” على “دالي” أجاب الأخير: هذان الشاربان يقفان كالحرس لحماية كل ما ومن يدخل إلى داخل نفسي وعقلي.
بل أن “هالسمان” حينما قرر في العام 1950 أن يسجل بكاميرته ذلك الشارب الفريد من نوعه.. اندفع بعد ذلك وبعد نجاح اللقطات التي التقطها “لشارب دالي” اندفع إلى إصدار كتابه في العام 1954 بعنوان “شارب دالي”.. والذي بدأه بتحذير طريف.. من كون الكتاب سخيفاً.. وبأن من الأفضل زيارة المعرض على العنوان الآتي.. للاطلاع على صورة كبيرة للشاربين الأشهر!!
ولكن.. وعلى الرغم من هذه الشهرة التي حاز عليها شاربا “سلفادور دالي”.. إلا أن الفنان يبقى وبما قدمه من أعمال… مَعلَّماً حقيقياً من معالم الفن الحديث في القرن العشرين أو كما وصفته الصنداي تايمز في إعلانها الأخير عن معرض دالي.. أشهر النجوم إثارة في القرن العشرين. وحيث يعرض المعرض (بين الثالث من مارس.. والثلاثين من مايو) الأعمال الأولى “لسلفادور دالي”.. مع عرض لمراحل حياته الأولى في مدريد والأسباب التي دفعت إلى هذه النزعة السيريالية.
رداءة أم عبقرية
لقد أثار “دالي” بلا شك جدلاً حول أسلوبه الغريب في التعبير عن أحاسيسه الفنية.. فبين مهاجم يرى خدعاً فنية تنم عن رداءة في الذوق والإحساس، وبين مدافع يرى فيما يقدمه “دالي” أداء ساحراً.. وإبداعاً خلاباً.. ورسماً ساحراً لم يستطع أحد من قبل أن يوجز من خلاله عالم الأحلام والرؤى.
وقد تكون أرقام المبيعات الخيالية للكتب والمعايدات والبطاقات التي تحمل صوراً “لدالي”.. خير برهان يمسك به أولئك المؤيدون والمدافعون عن “سلفادور دالي” ونزعته الفنية الجديدة، ولعل تكرار لوحة من مثل لوحة “إصرار الذاكرة” التي تعود إلى العام 1931 وتصور عدداً من الساعات.. تجتاح وتسكن ساحلاً غريباً.. يؤكد الحجة التي يسوقها المدافعون عن “دالي” وفئة والمؤكدون على رواج أعماله ونجاحها.. بدليل انتشارها..
ومثلما اختلف المهاجمون والمدافعون عن فن “دالي” فقد اتفق عليه “الأدباء” و”الساسة”.. بينما يرى الأدباء.. أن محاولاته للتخفي وراء مذهب التحليل النفسي.. والذي عجز “دالي” من خلال استخدامه أن يتجرد ويبتعد عن نزعة الأدب للقرن التاسع عشر. فإن الساسة كذلك يرون فيه ما يثير الاشمئزاز وذلك لعدم إخفائه الإعجاب “بالفاشية” وترحيبه بهتلر.. واعتزازه بموسيلليني”.
إلا أن الأمر الذي يجمع نقاد “دالي” مع المعجبين بفنه.. أنه فعلاً يأتي في القمة حين يكون الحديث عن السوريالية.
الحركة السوريالية
انضم “سلفادور دالي” إلى مؤسسي ومكتشفي الخط والأسلوب السوريالي “أندريه بريتون” في العام 1929.. وذلك بعد خمسة أعوام من بدء الحركة السوريالية في باريس عام 1924. وسرعان ما أصبح “دالي” من أهم رموز الحركة السوريالية.. والتي كانت تعني الخروج على المألوف..
وإطلاق العنان للامعقول.. وكسر طوق اللاوعي وتصوير ما خطه القلم “الفرويدي” من خلال الريشة السوريالية.
تتساءل “الصنداي تايمز” في عددها الصادر في فبراير 1994، عن حقيقة ما أثار النزعة السوريالية لدى “سلفادور دالي”.. وعما إذا كانت أعمال “فرويد” وغيره من عمالقة مدرسة التحليل النفسي.. هي ما دفعت “دالي” إلى تسجيل أعمالهم بريشته ورسوماته.
وتذهب “الصنداي تايمز” إلى تأكيد حقيقة ما أثارته مبينة أن (جنون) أو لا معقولية “دالي”.. ليست كلها خيالاً استمده من كتابات “فرويد” أو كرافت أيبنج “Krafft – Ebing” وأن عرضه ونرجسيته.. تشكلان مرآة حقيقية لطفولة بائسة.. وإحساساً ملازماً بمشاكل جنسية بحتة. وأن “فرويد” الذي قابله “دالي” في لندن عام 1938 كان يرى فيه (حالة مثيرة)… فبحسب ما ذكر “فرويد” في إحدى كتاباته.. أنه يميل إلى اعتبار السورياليين الذين اتخذوا منه، أي من فرويد، ملهماً لأعمالهم، يميل إلى اعتبارهم أغبياء تماماً.. وأن ذلك الأسباني بعينيه الساخرتين.. وإبداعه الفني المميز جعله يستثني بعض السورياليين من صفة الغباء تلك.
حينما وصل “دالي” إلى باريس في العام 1929 للعيش والاستقرار فيها.. لم يكن شارباه الغريبان وحدهما ما يثير في شكله وحسب وإنما كذلك تسريحة شعره وعيناه الحالمتان.. اللتان جعلتاه يبدو كراقص التانغو الحالم.. كذلك بدت تصرفاته وحركاته مثاراً للعجب والاستغراب.. فقد كان كثير السقوط. يبدي خوفاً مضحكاً من حياة المدينة.. يستخدم التاكسي في تنقلاته دائماً.. خوفاً من أن يضل الطريق إذا ما استخدم الباص أو المترو الباريسي الشهير. بل ولقد بلغ أسلوب حياته الغريب جداً إلى حد دفعه إلى الامتناع عن شراء الأحذية خوفاً وخجلاً من إخراج قدميه في مكان عام.. أما أسلوبه في الضحك والقهقهة.. فقد كان الأكثر حضوراً وتعبيراً عن لا معقوليته بوجه عام.
علاقاته النسائية.. هي أيضاً تتسم باللامعقولية.. فبخلاف علاقته بالشاعر السوريالي الشهير “فيديركو غارسيا لوركا” أثناء وجوده في مدريد.. فإن لقاءه بـ “غالا” الروسية المولد.. والتي أصبحت زوجته فيما بعد.. يعتبر أول تجاربه النسائية.. وبحيث أصبحت ملهمته التي أفرد لها عمله الشهير الذي صورها إله يصلي على طفل.. لم يسنح القدر لهما أبداً أن يرياه حقيقة.
البعض يرى شبهاً كبيراً بين “دالي” و”غالا” من جهة وبين دولة و”نسور” من جهة أخرى.. ذلك الإنكليزي الذي تنازل عن العرش مقابل أن يبقى مع محبوبته.. مع فارق أساسي في أن “غالا” هنا هي التي أخذت بيد “دالي” وجعلت منه صاحب ملايين يعجز أن يحصيها.. وشهرة عالمية بل وحتى من قبل أن يتم زواجهما في العام 1934.. بدأت طوابير الراغبين باقتناء شيء ما.. يذيله توقيع لـ”دالي”!
بل ولا ينكر أحد.. دور “غالا” في فتح الطريق “لدالي” إلى عالم التجارة والمال.. فقد صمم “دالي” قبعات لـ “شيبا ريللي” ومطفاة سجائر للطيران البريطاني.. كما تصدرت رسوماته السوريالية إعلانات “فورد”.. بل وحتى حلوى الأطفال.. ومعاطف الفراء طالها شيء من “دالي” وسورياليته.. التي بدت معالمها واضحة في أشهر الشوارع الأمريكية “الجادة الخامسة” ودخل “دالي” كذلك عالم الفن والسينما.. حين تعاون مع المخرج العالمي “الفرد هيتشكوك” في رائعته “spellbound”. فلم الرعب والإثارة والتحليل النفسي.. كذلك استعان به ملك عالم الأطفال “والت ديزني” في فيلمه الذي لم يكتمل “Destino”.. بل لقد رفض “دالي” ضمن عروض عديدة ومختلفة عرضاً من أحد رجال الأعمال في أميركا.. والذي أراد أن يطلق اسم “دالي” على مخازن طعام أمريكية.
غرائب دالي
لقد كانت السيريالية.. هي الصفة الملازمة لكل ما يتصل “بدالي” فمن ملابسه الغريبة.. إلى حرسه الغريب الشكل إلى كلماته الإنكليزية الغريبة… والتي كان يصر أن يبرز أحرفها بلهجة هي خليط بين الفرنسية والأسبانية كذلك اتسمت مأدبته بالغرابة.. فمن وليمة طبقها الرئيسي امرأة مغطاة بسرطان البحر والخضار المسلوقة.. مقدمة على طبق ساخن.. إلى عشاء تبدو فيه امرأة تتناول الشاي مع ابنتها داخل جلد ثعلب.. تقدمه “غالا” وهي ترتدي ثوباً أسود.. بأكمام كالجناحين.. مع رسماً لدمية كالطفلة المذبوحة. وهنالك أيضاً محاضرة دالي التي ألقاها في “السوربون” وهو يقود سيارته “الرولزرويس” مملوءة بالخضار.
ولعلَّ أكثر غرائب “دالي” شهرة… هو ما حدث في العام 1936 في لندن.. حين ألقى “دالي” محاضرة عن السوريالية.. مصطحباً معه صائدي ذئاب روسيين.. حيث توجه إلى المنصة مرتدياً ثياب غوص.. ويغطي رأسه بخوذة على شكل كأس من النبيذ بداخله ملعقة.. وقد كانت الخوذة مثبتة بقوة فوق رأس “دالي” إلى درجة تمنع الأوكسجين من الوصول إلى رأسه.. وبحيث اختتم محاضرته تلك.. بأن وقع مغشياً عليه من فرط ضيق الخوذة..
في أعقاب تلك الحادثة… بدأت علاقة “سلفادور دالي” بأقرانه فناني السوريالية.. تتراجع… إلى أن انتهت نهاية مأساوية في العام 1940 حين وصلت رسوماته وتصرفاته حدا من الغرابة والشذوذ أنكرها حتى جموع المغرمين بالخروج عن المألوف.. وبكل ما هو غريب.. وذلك حين أعلن “بريتون” أبو السوريالية.. استياءه من تكرار الإيحاءات الجنسية التي أصبحت أكثر ما يميز أعمال “دالي” بالإضافة إلى استمراره في الترويج للفاشية… واهتمامه بجمع المال.. فتم نبذه وأصبح عابد المال أو كما أطلق عليه أبو السوريالية “بريتون” اسم “Avida Dollars” بدلاً من “Salvador Dali”.
فن أم عبث؟
ولقد دفع دالي بالفعل ثمن انجرافه اللامعقول وراء السوريالية والذي اصطبغت به حياته بأكملها.. وقبل أن يتوفى في عام 1989.. جاء وقت أصبح “دالي” نفسه لا يعرف أين بدأ الفيلسوف دالي وأين يقف.. ولا أين انتهى الوحيد المسكين “دالي”. فكما وصف يوماً حياته بأنها أشبه بسلسلة من المعارض.. لا أكثر ولا أقل.
مهما قيل أو يقال عن “سلفادور دالي” وسورياليته.. هل كان فناً حقيقياً.. أم عبثاً لا يتجاوز بوحاً بما تختلج به صدور غريبي الأطوار من مثل “سلفادور دالي”!!
لقد أجاب “أنتوني كلير” على ذلك بقوله.. إن ما جعل من فن “سلفادوردالي” رائجاً.. هو أنه يجسد مشاعر وأحاسيس يختزنها اللاوعي في داخل كل منا. بمعنى آخر أن أعماله استطاعت بالفعل أن تجسد ما أثاره عالم النفس “فرويد” بشأن العلاقة المباشرة بين الأحلام واللاوعي! فحين أصدر “فرويد” كتابه (في تحليل الأحلام) عام 1899.. بدت العلاقة بين الأحلام واللاوعي تبدو أكثر وضوحاً وعملية.. ولعلَّ الجانب الأكثر إثارة بالنسبة للسورياليين في ما أثاره فرويد.. ما يتعلق منه بسقوط قوانين المنطق.. والعقلانية.. في عالم الأحلام وهو ما يقوم عليه الفن السيريالي.
وبالفعل فقد قرأ “دالي” “تحليل الأحلام” حين كان لا يزال طالباً في أكاديمية الفنون في “مدريد” وهو الكتاب الذي وصفه “دالي” بأنه أهم اكتشاف في حياته.. بحيث يمكنه أن يحمل حقائبه ويرحل.. في حال ضجره من مرافقة “دالي”. بل ولا يتوانى مور عن التصريح بأن دالي قد تخلى عنه وفضل عليه انريكو سابتور الذي يصغره عمراً.. وبإمكانه أن يرضى بعلاقة غير شرعية.. يمتنع “مور” عن القبول بها وذلك لكونه إنساناً متزوجاً!!؟
ظاهرة
مهما يقال في “سلفادور دالي” والفن السوريالي.. فإن من الإنصاف القول.. بأن ما قدمه “دالي” كان شيئاً فريداً.. وبغض النظر عما إذا كان يحوز على إعجابنا أم لا.. فهنالك ولا شك قيمة حقيقية تختفي في كل زاوية من زوايا رسوماته وخطوطه.. هناك شيء ما يؤكد إنسانيتنا.. من خلال جهد حثيث وعمل دؤوب لطرح بعض من الحقيقة التي ما توقف الإنسان يوماً عن البحث عنها.
بكل تأكيد هنالك شيء أكثر من شاربي “دالي” الغريبين في شخصه. ومع كل الاتهامات بالجنون والغرابة سيبقى “دالي” وفنه ظاهرة تدرس وتُعلَّم.. وستبقى رسومه ولوحاته.. شاهداً على جانب آخر من العبقرية.. قد يكون الجنون وكما يقولون دائماً.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى