الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

الحرب النازية والتشكيل الروماني

[نشر التقرير في إحدى الدوريات الأجنبية وقد ترجمته للعربية سعاد المعجل ونشر في القبس الثقافي بتاريخ 28/7/1994.]

الحرب النازية والتشكيل الروماني

لا شك أن سنوات الحرب الطويلة وثورة وطموحات النازية، وعنفها كان لها أثرها الواضح في الجانب الفني داخل ألمانيا!!
فعلى الرغم من مساهمة ألمانيا في إثراء روح الفن الرومانسي في القرن السادس عشر، إلا أن غبار الحروب والمآسي والدمار قد طالت على ما يبدو تراث الفن الألماني!!
هذا الأمر جعل أوروبا تتنبّه لمسؤولياتها في إحياء روح ذلك الفن الممتلئ بعبق قمم الألب البيضاء، لذلك عمد المتحف الوطني في إنجلترا هذا الصيف لإلقاء الضوء على الروح الرومانسية في الفن الألماني ما بين العام 1790 – 1990 حيث سيعرض أعمالاً تجسد تلك الروح الرومانسية لفنانين ألمان، مثل كاسبر ديفيد فريدريك، وفيرديناند هودلر.
يستعد العرض القادم للمتحف الوطني الإنكليزي للتركيز على الأعمال الطبيعية المشتقة من محاكاة القمم الجبلية بكل ما ترمز إليه من معنى ومغزى!!
ووصفت مجلة “الصنداي تايمز” في عددها الصادر بتاريخ 12 يونيه/94، أن الجبال في التعبير الفني، بكونها رمزاً للشموخ الذي يتيح للناظر الامتداد بنظرة إلى ما لا نهاية، بل ومن “موسى” إلى “ديفنستال” شكلت الجبال ملجأ للحالمين الذين كانوا يرسلون البصر إلى الفضاء الممتد. ويتأملون ويحلمون بتغيير الواقع من حولهم.
وكان لذلك الانطباع أثره الواضح في الفن الألماني بوجه عام وفي فن “كاسبر ديفيد فريدريك” بصفة خاصة، ومن المعروف أن فريدريك كان متسلقاً ماهراً للجبال، وفناناً أثرى عصره ولا شك، وبدا تأثره بالجبال وما ترمز إليه واضحاً ويعرض له المتحف الوطني لوحة “فريدريك” تعكس مدى تأثره بطبيعة الجبال!! حيث يظهر فيها ثلاثة أشخاص فوق قمة هضبة عالية، ينظرون إلى بحر أبيض، ويبدو من بعيد شراع صغير. يتأمله الثلاثة معاً، ويتمنون الوصول إليه، دون أن يستطيعوا تحقيق ذلك!!
يبدو أن فريدريك كان يرمز إلى شرط المعاناة والمشقة والواجب التي يصادفها هؤلاء الثلاثة من خلال سلسلة من الصخور التي تعترض طريقهم إلى الشراع كما يبدو الرمز الديني واضحاً في لوحة “فريدريك” هذه حيث يرمز الشراع إلى المسيح الذي يأتي بالخلاص للبشرية.
بينما ترمز الصخور إلى الامتحان الدنيوي، بقتامة الحياة الدنيا التي تبررها ظلال الشجرة من خلف الأشخاص الثلاثة، مقارنة بالأفق الأبيض الروحاني المترامي أمامهم.
المتأمل لعمل فريدريك يدرك ولا شك تلهفه لشيء روحاني تظهر آثاره بوضوح في لوحته هذه!!
التساؤلات
تثير أعمال فريدريك تساؤلات حول الهوية الفنية الألمانية، لذلك تشير “الصنداي تايمز” إلى حقيقة العوامل التي تجعل أشخاصاً مثل الألمان الذين صنعوا وأنتجوا بدقة متناهية سيارات فخمة ومتطورة.. هم نفس الألمان الذين ساهموا بفنانين مثل “فريدريك”، و”باسيليتز” وآخرين قضوا أوقاتهم فوق قمم الألب الشاهقة، يتأملون ويبحثون في الفضاء الممتد، عن هوية روحانية غائبة!!
الأسباب
قد تكون الأسباب التي جعلت من الفن الرومانسي الألماني، فناً مجهولاً غير ظاهر ولا تتسلط عليه الأضواء.. وهي نفس الأسباب التي جعلت القوات والجيوش الألمانية تتوقف عند “وايتهول” في احتفالات يوم الهجوم الكبير!! خاصة وأن حربين عالميتين.. استطاعتا ولا شك أن تخفيا عن الأنظار أي أثر للفن الألماني!! فكانت النتيجة أن حصيلة قرن كامل من الأحلام الألمانية فوق قمم الألب الشاهقة، قد تم حجبها طواعية عن الذوق الأوروبي!!
الإدراك الأوروبي
الآن أدرك الكثير من الأوروبيين الشغوفين بالفن الرومانسي خطأ تجاهل الفن الألماني ومن هؤلاء “أوسكار رينهارت”.
صاحب مؤسسة سويسرية يشتهر ببذخه خاصة في اقتناء اللوحات!! وقد بدا بإحياء الفن الألماني، وذلك بعرضه لما يقتنيه من لوحات ثمينة في مهرجان “المتحف الوطني” هذا الصيف.
وقد اشتهر بشغفه بالفن الرومانسي، في مقابل الفن الحديث، وبدا اهتمامه بالفن والرسم الألماني بعد حضوره عرضاً في برلين، لرسومات ولوحات تعود إلى 1906 وتضم لوحات قيمة.. بقيت مجهولة لزمن طويل وقد اشترى “رينهارت” عدة لوحات من ذلك المعرض الفني وينوي أن تتصدر مجموعته التي سيعرضها في “المتحف الوطني” هذا الصيف.
ومن أثمن مقتنياته الفنية التي سيجري عرضها، لوحة “كاسبر فريدريك” الشهيرة تلك!! والتي بخلاف قيمتها الفنية.. يشكل غموضها جزءاً من أهميتها، خاصة وأن “فريدريك” قد استوحى جمالها وطبيعتها من رحلة شهر العسل التي كان يقضيها في تلك البقعة الطبيعية الخلابة في عام 1818!!
لا شك أن أسلوب “فريدريك” يرمز بشكل واضح إلى الطبيعة البشرية من خلال تركيز وإبراز للطبيعة من حوله!! وهذه ولا شك أساس الفن الرومانسي وقاعدته.
يعتبر “فريدريك” واحداً ضمن مجموعة من الفنانين الذين جسدوا روح الريف الألماني، والسويسري، على الرغم من أنه يصعب في الحقيقة الحديث عن (فن ألماني) بمعزل عن الكلاسيكية الإيطالية، والوصف الهولندي!!
ومن الواضح أن المتحف الوطني يحاول بلا شك تجميع شتات الهوية الأوروبية والقومية الأوروبية وهو ما أكده مدير “المتحف الوطني” مؤخراً، حين علق بقوله: “إننا على ما يبدو قد تجاهلنا فن بلاد الشمال في سعينا لتسليط الضوء والتركيز على فن الجنوب، وهو بالتأكيد ما يحاول رعاة الفن تداركه الآن، وذلك من خلال إبراز صورة الفن الألماني.. في عروض “المتحف الوطني” القادم!!”.
كاسبر وولف
لم يسلم الفنان السويسري “كاسبر وولف” من التجاهل الذي سيطر على فناني الألب!! وقد اشتهر “وولف” بجسارته التي أظهرها في رحلاته الخطرة فوق قمم الألب الشاهقة! فصورها في أعماله الفنية بمساحات شاسعة من الثلوج البيضاء.. سيطرت على أعماله الفنية التي كانت دائماً تحوي أشكالاً مبهمة تنزوي في إحدى زوايا لوحته! وقد كان دور الإنسان في لوحات “وولف” قصيراً ومختصراً.. مقارنة بمساحات الثلوج والجبال الشاهقة التي كانت دائماً ما تحتجز الحيز الأكبر في اللوحة!!
لا شك أن سلاسل الجبال الممتدة فوق الأراضي السويسرية قد أطلقت خيال الرسام السويسري عموماً، ليتجول فوق قممها الخطرة معانقاً مع ارتفاعها أطراف الغمام، فالطبيعة توحي ولا شك لرسام مثل هنري فوسللي، الذي قد يخلق كابوساً مخيفاً من خلال تجسيده للمرتفعات الشاهقة!! وقد أطلق بالفعل هذا الرسام السويسري المولد، والذي استقر في لندن، أطلق العنان لخياله في واحدة من أروع لوحاته “الغيرة” حيث صور فيها عاشقين متعانقين تهاجمهما امرأة معتوهة تحمل سكيناً حاداً! بينما يصور “فوسللي” في لوحة ثانية “وليم تل” البطل الشهير عارياً في إحدى الغابات الإغريقية القديمة!!
يقول والديمار جانوزاك، في مقاله المنشور في “الصنداي تايمز” من الصعب فهم المغزى الحقيقي من الفن الرومانسي حيث يصنف هذا النوع من أنواع الرسم، بكونه يفتقد الوصف الصحيح!! لذلك فقد حاول “المتحف الوطني” أن يبرز تقاليد الفن الرومانسي، وذلك من خلال جمع عدة أعمال رومانسية، حيث يعرض لوحة لحصان أبيض جميل، يقف أسفل شجرة إنكليزية الطابع، يتأملها “جاك لورين أجاس” من خلال تجسيده صورة لفرقة من الجنود الواقفين تحت الثلوج.. يرتجفون بفعل البرودة الشديدة وقبالتهم لوحة لـ “هودلر” تصور فتى صغيراً حاملاً زهوراً ترمز إلى الأمل!!
وعلى اختلاف هذه اللوحات، إلا أنها جميعها تشترك في عنصر واحد أساسي ولا شك وهو أن من يتأمل كل تلك اللوحات سيخرج بانطباع واحد، وهو أن الفنان في هذه اللوحات لم يجسد رغباته وحسب، بل حالته الذهنية وهو يرسم تلك الرسومات حيث يشعر المتأمل للوحة “فوسللي” بخوف الفنان من النساء.
لعلَّ “فريدريك” هو سيد الفن الرومانسي ذي الصبغة الدينية دون منازع إذ جسد في لوحاته الفراغ اللامتناهي في الطبيعة، ذلك الفراغ الذي تحلق فيه رغباتنا الروحانية، وبحيث أننا جميعاً قد نجد بعضاً من رغباتنا مجسدة في فن “فريدريك” تماماً كما أوحي لها من خلال شراع المركب في لوحته التي جاء ذكرها في بداية حديثنا!
من ضمن الفنانين الأوروبيين والتي تعيد الصحوة الفنية الجديدة ذكراهم وتجدد روح أعمالهم، “ألكساندر كالامي”.. وهو رسام سويسري برز في منتصف القرن التاسع عشر وكان ضمن المقتنيات الفنية الإنكليزية في ذلك الوقت.
وقد رسم ألكساندر في العام 1861 واحدة من أشهر لوحاته، يظهر فيها سلسلة من الصخور المتعرجة فوق بحيرة “سيلزبرج” ويبرز زرقة المياه في البحيرة وكأنها فضاء لا متناهي بصورة خلابة رائعة.
الفن الرومانسي هو بلا شك يحمل دعوة لتحريك وإثارة الخيال، والتأمل فيما وراء الرسم ذاته، وهي دعوة للشجاعة، وللاندفاع نحو النظر بالعقل والخيال، قبل أن يكون نظراً بالعين والإبصار!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى