الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

وهم الزمان والمكان

اعتدنا ومع دخول كل عام جديد، أن نضع على أنفسنا عهداً بالالتزام بأمر ما، فهنالك من يتعهّد مثلاً بأن يبدأ مع العام الجديد نظاماً غذائياً معيناً، أو أن يتعلم شيئاً جديداً، هنالك من يَعد نفسه مع إطلالة العام بأن يطوّر من نفسه ومن علاقاته، وهكذا.
المؤسف أن أغلبنا لا يستمر في الالتزام بتعهداته للعام الجديد، وسرعان ما ينقلب عليها، أو يتجاهلها لتضيع في زحمة الأشياء.
مع إطلالة عام 2024 تعهّدت على نفسي بأن أمارس الحياة ضمن إطار اللحظة الراهنة، أو الحاضر المُطلق الخالي من تشويش وفوضى الماضي والمستقبل، وهو تعهّد أُقر بأنني قد أخفقت فيه مراراً، فعلى الرغم من قطعي مشواراً جاوز الثمانية والثلاثين عاماً في ممارسة اليوغا والتأمل، فإن إتقان عيش اللحظة لا يزال حلماً يراودني، أن أعيش اللحظة الراهنة وفقاً لما ورد في فلسفات الشرق وأدبيات الغرب الحديثة، التي زاوجت بين علم الفيزياء وعلم الماورئيات.
علمياً، ليس للزمن كما نفهمه ونتعامل معه وجود، فهو كما قال آينشتاين يُعتبر وحدة قياس شأنها شأن البعد المكاني، لكن ما يجذب حقاً في حكاية الزمن هو الشق الفلسفي منها، وهو ما تطرّقت له كل الأديان، حيث الزمن نسبي تماماً بالنسبة لرؤيتنا، لكنه ثابت غير متحرّك نَعبُر عليه ولا يَعبُر بنا، ففي سورة السجدة على سبيل المثال ما يشير إلى ذلك: W: ﵟيُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥ﵞ ﵝالسَّجۡدَة : ﵕﵜ F.
كذلك تناولت فلسفة الزمن والمكان، وهي إحدى فروع الفلسفة، مسألة علم الوجود ونظرية المعرفة وخصائص الزمن والمكان، والتي ترى أن كليهما موجودان بشكل مستقل عن العقل.
أما البوذية فقد تناولت طرق الوعي بالزمن واليقظة بالوجود، وتحديداً الزمن الدائري الذي يُفسرون من خلاله جدلية الحياة والموت، حيث يمارس البوذي طقوسه ضمن خلفية فلسفية وجودية، ترى أن الذات البشرية سائرة بطبعها نحو الفناء، لذلك يعمل البوذي على تدمير مركزية الذات عبر فصل الزمن والمكان عن العقل والانصهار في يقظة اللحظة.
وإذا كان العلم والأديان والفلسفة كلها قد أجمعت على وحدة الزمن والمكان وثباتهما، فإن من الحكمة إذاً اعتبار اللحظة الراهنة هي الحقيقة الثابتة فعلاً، لكن الانضباط بها والالتزام داخل إطارها يشترط تدريباً مكثفاً للنفس والعقل والروح، وبشكل يجعل الإنسان مسيطراً على كل الأزمنة التي ينسجها خياله، فالماضي ليس سوى نشاط في المخ يعيدنا إلى زمن مضى، فنلوم أحداثاً ونشكو أوجاعاً ونجادل أشخاصاً ربما لم يعودوا معنا.
بينما يأتي المستقبل ليحتضن الأمل، نتوه في فضائه الافتراضي اللاحقيقي، نرى الأشياء ونتحسسها، ننسج الوعود ونصيغ الأحداث على ضوئها – كلاهما – الماضي والمستقبل، لا وجود لهما سوى في تفاعلات كيميائية يُطلقها المخ.
هنالك تدريبات وطرق عديدة لتعويد النفس على الالتزام باللحظة الراهنة الجميلة، كالتركيز مثلاً حين أداء عمل ما، والغوص تماماً في تفاصيله، حتى لو كان في مراقبة خطوات المشي أو نفحات النَّفَس الخارجة والداخلة، وبالطبع يأتي هنا التأمل العميق كأفضل الطرق للانسلاخ من وهم الزمان والمكان.
قد تبدو الفكرة بسيطة جداً، لكن تطبيقها شاق، ويحتاج ربما إلى رحلة حياة كاملة، وهو ما جعل المستنيرين الذي بلغوا تلك اللحظة ندرة عبر تاريخ البشر، بلغها أولئك الذين أدركوا أن تآلف الأرواح والتحامها الزمني مؤقت، وأن كل متحول يعتريه الفناء، وأن الجسد لا يمتلك الروح، وأن الخلاص يكمن فقط في الوصول إلى تلك الدرجات من الصفاء الروحي واليقظة والصحوة والتجلي، وهو أمر لا يكون إلا باتحاد الزمان والمكان في بؤرة اللحظة الراهنة، والتي يسودها الفراغ عابراً الزمان والمكان.
لقد تطرّق العديد من الشعراء والأدباء والفلاسفة في العديد من أعمالهم لمغزى اللحظة الراهنة المطلقة، فقد تحدّث في إشكالية الزمان والمكان أفلاطون وأرسطو وابن رشد وابن سيناوغيرهم.. لكننا وبكل أسف نعبر تلك الجواهر غير مدركين مغزاها، ولعل أجمل من قال في اللحظة الراهنة واليقظة الكامنة في كل نفس هو الشاعر المستنير عمر الخيام حين كتب:
لا تشغـــــــــــــل البـــــــــــــــال بمــــــــاضــــــــي الزمــــــــــــــــان
ولا بـــــــــــــــــآت العـــــــــيــــــــش قـــــبـــــــــــــــــــل الأوان
واغــــــــــــنــــــــم مـــــــــــــن الحـــــــــــــاضــــــــر لـــــــذاتــــــــه
فليــــــــس فـي طبـــــــــــع الليــــــــــــــالي الأمــــــــــــــــــان
*
سنة سعيدة على العالم كله، سنة يسودها السلام والمحبة واليقظة.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى