شئون عربية

لو لم تكن إسرائيل موجودة!

القبس-16 أغسطس 2026م

 

ماذا لو لم تكن إسرائيل موجودة؟ هل كان الشرق الأوسط أكثر استقراراً أم أن به مقومات صراع وحروب يكون معها الاستقرار نسبياً ومرحلياً.
كيف كان ممكناً أن يبدو الشرق الأوسط لو لم تنشأ دولة الكيان الصهيوني في عام 1948؟ لا شك بأن السيناريوهات هنا متعدّدة والاحتمالات كثيرة فلنُبحر بها افتراضياً.
ربما كان الافتراض الأول أن فلسطين كانت ستبقى دولة ذات كيان مستقل، ويقطن فيها أقلية يهودية، فالهجرة اليهودية هنا مرتبطة باعتبارات عقائدية لا تقل أهميتها عن السياسي منها، خاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، فغياب إسرائيل هنا لا يعنى أن المسألة اليهودية وارتباطها بمنطقة الشرق الأوسط قد انتهت، بل هي رحلة تعود بالتاريخ الى حقبة البابليين والآشوريين والفراعنة، وفكرة أرض إسرائيل هي فكرة راسخة في العقيدة والتقاليد اليهودية، والطقوس اليهودية تتناول الأدعية إلى عودة صهيون عبر مراحل الشتات التي مر بها اليهود، واستيطان اليهود عبر التاريخ، وفي مناطق عدّة داخل فلسطين، مثل القدس والخليل وصفد وطبرية، كان بإمكانه أن يخلق صراعاً قومياً وعقائدياً مع العرب لو لم تنشأ إسرائيل، ويتحول الصراع معها إلى صيغة سياسية مموّهة، لكنها في حقيقة الأمر تعود بجذورها إلى مطامع عرقية وعقائدية موغلة في التاريخ.
لو لم تكن هنالك إسرائيل لما حدثت حروب 1948، 1956، 1967، 1973، لكن ربما استمرّت الانتفاضات ضمن إطار الصراعات الدينية والقومية والمذهبية، فوجود ونشأة إسرائيل خلقَا واحداً من أكبر محاور الصراع في منطقة الشرق الأوسط، الذي تحوّل بفعل هذا الوجود الى منطقة أكثر عسكرية واشتعالاً وصراعاً.
لو لم تكن هنالك إسرائيل لما شكّل هذا العدو المشترك دافعاً لقيام حركات تحرّر عربية، ونشأة الحركات القومية العروبية واليسارية، وهي – أي حركات التحرّر والمد القومي – تعود بجذورها إلى ما قبل 1948، أي إلى ما قبل نشأة إسرائيل، حيث شهدت تطوراً في عهد الدولة العثمانية وبعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن قيام إسرائيل قد حوّل تلك الحركات من نشاطها الثقافي والسياسي النخبوي، إلى مشاريع تعبئة للجماهير واستنهاض للشعوب، فبينما كانت فكرة القومية العربية قبل 1948 تتلخّص في الهوية العربية، ومشروع التحرّر من نفوذ وهيمنة الدولة العثمانية، أصبح العدو المشترك بعد 1948 قضية مركزية عزّزت من مشروع الوحدة العربية، والذي تم إجهاضه فيما بعد من قِبَل إسرائيل، وبمساعدة الغرب، نظراً لما كان يُشكِّله مثل هذا المشروع من خطر مباشر على وجود الكيان الصهيوني، وعلى المصالح الغربية في المنطقة.
لو لم تكن هنالك إسرائيل ككيان سياسي مُغتَصِب لأراضٍ عربية، لم تكن المنطقة بالضرورة ستعيش في سلام دائم، فغياب إسرائيل لا يعني غياب الصراع في الشرق الأوسط، بل يعني غياب نوع محدّد ومركزي من الصراع، فالشرق الأوسط يحمل مجموعة من مقوّمات الصراع، تداخلت فيه طبيعة المنطقة العِرقية والطائفية مع أطماع الاستعمار الأوروبي ودول إقليمية مثل إيران، إلى جانب أهمية المنطقة إستراتيجياً وحيوياً بما تحوي من ممرات ومعابر وثروات ونفط وغاز وطرق تجارية، نرى أبعادها وأثرها في الحرب الراهنة، والتي شكّل قيامها أزمة دولية بسبب واحد فقط من ممرات هذه المنطقة الحيوية.
لا يعنى ما سبق أن هنالك تقليلاً من أثر وجود ونشأة الكيان الصهيوني على أمن منطقة الشرق الأوسط واستقرارها، فالمكوّنات البنيوية للصراع في الشرق الأوسط، تحوّلت مع نشأة الكيان الصهيوني إلى حروب مفتوحة، وصراعات دائمة، وتدخّلات دولية وعسكرية، وسباق تسلّح، وانتهاكات إنسانية، واحتلال، وتدخّلات خارجية لحماية وجود هذا الكيان الشاذ والمغتَصِب.
قد لا يُشكّل غياب إسرائيل غياباً للصراع في منطقة الشرق الأوسط، لكن قيامها بلا شك قد وسّع نطاق مثل هذا الصراع، وأضاف اليه بُعداً قومياً وعرقياً وعقائدياً وتاريخياً مُعقّداً، سلب الشرق الأوسط أمنه وأمانه واستقراره، وجعله ساحةً مفتوحةً للجميع، ودفع الكيان الصهيوني لانتهاك أدنى مقومات الحقوق البشرية، فوجود إسرائيل، والصراع الذي نشأ حولها واستمر معها، أصبحا من أكبر العوامل التي ساهمت في تقويض الأمن والحقوق الإنسانية في الشرق الأوسط؛ لذلك لو لم تكن إسرائيل موجودة لكان احتمال السلام والاستقرار في المنطقة أكبر بكثير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى