غير مصنف

المجلس الغنيمة

[جريدة القبس 12/5/2009]

ما الذي يدفع ببعض المرشحين إلى صرف مبالغ خيالية على حملاتهم الانتخابية؟! هل هو بالفعل من أجل تحمل مسؤولية ضخمة كعضوية مجلس الأمة، تجعلهم مسؤولين عن التشريع والمراقبة لمقدرات المواطنين؟!
سؤال يطرحه كل من يقرأ عن الأرقام الفلكية في مصروفات المرشحين، واستعدادات المقار الانتخابية والإعلانات المكلفة!
في رأيي، وبشهادة أداء بعض النواب في السابق، لا يمكن أن تكون خدمة الوطن هي السبب الأول لدى شريحة كبيرة من المرشحين، فالأمر هنا أكبر من ذلك، فعضوية مجلس الأمة بهيئتها الراهنة تشكل قوة ونفوذاً وهيبة، تفتح معها الأبواب المغلقة وتسخّر المناصب وتتوافر بواسطتها الهيبة والمكانة الاجتماعية.
في العالم كله تشهد البرلمانات تنافساً سياسياً بحتاً، إما بسبب وجود أحزاب سياسية تنظم أسلوب العمل، أو بسبب باب الحكومة الموصد في وجه محاولات تجاوز واختراق القوانين لضمان أصوات انتخابية عن طريق تنفيع البعض.
هنا في الكويت، لا توجد أحزاب سياسية معلنة، وبالتالي فإن العمل السياسي غير منظم بالشكل الصحيح، أيضاً هنا في الكويت توجد حكومة مخترقة، يحرص المسؤولون فيها على تجنب استجواب عضو الأمة، ما أمكن، وبالتالي يتم فتح الباب لمخترقي القوانين من النواب! وهو أمر يعزز قوة عضو مجلس الأمة ونفوذه، مما يوفر مكسباً إضافياً بخلاف المكسب المعروف!
سطوة القوة والنفوذ لا تقل أهمية عن سطوة المال، كلاهما طموح بشري غريزي، وبما أننا كدولة نرفض كل محاولات التطور، وفقاً لمعطيات وشروط المجتمع البشري الحديث، فإننا نبقى ممارسين لتلك الغرائز بشكل عشوائي وبدائي، وكل ما هنالك أن شكل الغنائم المبررة للصراع ومن ثم للغزو قد تغير، فبعد أن كانت الغنائم أموالاً ومواشي ومناطق للرعي، أصبحت الآن كراسي ومواقع حكومية!
ثقافة الغنيمة هذه لاتزال، وبكل أسف، مسيطرة على وعي البعض، ومن قلب هذه الثقافة يتعامل البعض مع مفاهيم حديثة كتمثيل الأمة وقيادة الوزارة والمؤسسة!
مجلس الأمة اليوم أصبح بمنزلة الغنيمة التي تستدعي العدة والغزو، ولم يعد لدى البعض منبر للتشريع والرقابة، واللوم كل اللوم لا يقع على بعض النواب والمرشحين الذين حولوه إلى غنيمة، وإنما يقع اللوم كذلك على أولئك الذين أمّنوا وسهّلوا مهمة الغزو، وجعلوا “الظفر” بنيابة الأمة مكسباً ومدخلاً للربح السريع وللنفوذ وللحظوة الاجتماعية!
الآن، ونحن نقترب من صناديق الاقتراع، أمامنا مهمة رئيسية واحدة نطمح من خلالها إلى إصلاح حقيقي للوضع السياسي الراهن، مهمة تغيير نهج قام على ثقافة الغنيمة، لقد جربنا تغيير الأسماء والوجوه، لكننا لم نسعَ يوماً إلى تغيير النهج الذي أساء إلينا وشوّه معالم تجربتنا الديمقراطية التي كانت رائدة، فأصبحت بسبب هذا النهج منفرة.
عضوية مجلس الأمة مكسب – ما من شك في ذلك – لكنه مكسب سياسي وليس مالياً، والغنيمة الحقيقية هي في خدمة الوطن من خلال عضوية المجلس، وتكون الكارثة حين تتجسد الغنيمة بمفهومها البدائي القديم!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى