
تفاوتت ردود فعل المواطنين والكتاب والصحف والمدونات تجاه حادثة العنف المؤسفة التي شهدتها ندوة “إلا الدستور”! مصدر التفاوت بالطبع يعود إلى اختلاف القناعات، ليس بشأن ما حدث من صدام بين المواطنين، وبين القوات الخاصة، وإنما بشأن الديمقراطية كنهج والدستور كوثيقة ومجلس الأمة كمؤسسة رقابية تشريعية!
كانت الحادثة بكل تبعاتها المحزنة والمؤسفة والخطرة، كانت وللأسف فرصة لدى البعض ليعبر من خلالها عن غبطته لسقوط خصومه، وبغض النظر عن حجم الخسائر الإجمالية التي خلفها مثل هذا الصدام! كما كانت – أي الحادثة – مناسبة لبعض الصحف والكتاب المعادين للديمقراطية لكي يروجوها كدليل على طروحاتهم ومقالاتهم!
التشدق بالحادثة بهذا الشكل، والتشفي من بعض ضحاياها ممن نختلف معهم منهجياً وفكرياً، يجعلنا أقرب سلوكاً إلى أسطورة الفكاهة “جحا” حين تجاهل حريق جاره!
شخصياً، أختلف مع الطبطبائي حتى النخاع، وتغيظني إلى حد البكاء طروحات الحربش، ولا أتفق إطلاقاً مع نهج المسلم المتشدد، لكنني أتفق معهم في حقهم الرقابي، وفي حريتهم في الحوار والنقاش، وأحزنني جداً ما حدث لهم في ندوة “إلا الدستور”، لأن الحريق الذي شب في دارهم مرشح لأن يتسلل إلى داري!
اتخذت بعض الآراء في تعبيرها عما حدث منحى متطرفاً، واستشهد بعضها بالمقولات التي تشير إلى حالة العداء والرفض المستقر في الثقافة العربية تجاه الديمقراطية، والتي لا تستثني منها الكويت هنا، وبالتالي فإن الديمقراطية كما يرون لا يمكن أن تتجاوز في مجتمعاتنا خانة التنظير، وبأن تطبيقها سيعني أزمات متعاقبة تكلف الدولة أمنها ونموها! مستشهدين ببعض الكتابات العربية والغربية التي تناولت الديمقراطية في العراق، وحيث عبرت تلك الكتابات عن رؤيتها بأن العراق بحاجة إلى حاكم بطاش يقوده أكثر مما هو بحاجة إلى الديمقراطية الغربية، وبأن حكم الدكتاتور العادل أنسب وأفضل من حكم الضعيف الديمقراطي.
حجة هؤلاء إذاً بأننا غير جديرين بالتجربة على اعتبار أننا ننتمي إلى هذه الثقافة العربية المعادية للديمقراطية.
في العام الماضي، وحين أعلن محمد البرادعي عن نيته خوض انتخابات الرئاسة في مصر، طرح برنامجين؛ أحدهما يحوي خطة قصيرة المدى، والآخر خطة بعيدة المدى. أما الأولى فتتلخص بضرورة ممارسة الجميع لحقهم في الانتخاب على أن يكون ذلك بدافع المسؤولية قبل الحق والرغبة في إصلاح مؤسسة البرلمان من خلال ممارسة حق الانتخاب بتجرد ومسؤولية، تلك هي الخطوة الأولى نحو التغيير كما رآها البرادعي. أما الخطة طويلة المدى، فتشمل إصلاح المؤسسات ومحاربة الفساد وتحقيق دولة الرفاه.
ديمقراطيتنا عرجاء، نعم هي كذلك، ونوابنا عاجزون عن تحقيق مطالبنا الإصلاحية كشعب، أيضاً صحيح، لكن في المقابل لم يسعَ المواطن إلى إصلاح هذه المؤسسة الرقابية وتطعيمها بالقادرين على مواجهة تحدي الإصلاح ومحاربة الفساد من خلال أمانة التصويت ومسؤوليته.
نحن إذاَ جميعاً متضررون من حادثة ندوة “إلا الدستور”، والقول إن العقاب قد طال فئة واحدة هو قول ساذج، واختصار القضية في أسماء محددة يعكس حجم التطرف في الخصومة!
