
يوم 27 يوليو القادم، تكون قد مرّت أربعة وأربعون عاماً منذ حل نادي الاستقلال، وذلك في عام 1977، ونادي الاستقلال لمن يَفتَقِد المعلومات الكافية عنه كان مركزاً للقوى القومية والوطنية التقدمية، وهي القوى التي تصدّرَت آنذاك جبهة المطالبين بالإصلاحات السياسية والمدافعين عن النظام الديمقراطي وفقاً لدستور 1962.
لقد عمل هذا النادي على إثراء الساحة الكويتية، والذّود عن مصالح الشعب والحفاظ على ثرواته، وكان له دور أساسي في صناعة موقف شعبي ضد اتفاقيات المشاركة النفطية في فجر الستينيات، ما ساهم في تحرير ثروة الكويت النفطية في ما بعد، هذا بالطبع بخلاف دوره التنويري من خلال ندواته وحواراته الأسبوعية التي كانت تتناول كل القضايا محلياً وعربياً.
حَل نادي الاستقلال جاء كأحد إفرازات التحالف الشهير في السبعينيات بين السلطة وتيارات الإسلام السياسي، التي كانت قد نهضت واستردت قوّتها بعد هزيمة 1967، وتراجُع المشروع القومي، فطرحت برنامجها الذي لا يعكس مبادئ الدستور ولا يعطي أدنى أولوية للحريات العامة ولا للديمقراطية كنهج مفتوح على كل الاحتمالات والأوجه.
لقد حمل نادي الاستقلال شعلة التنوير، ودعَمَ كل أشكال المشاركة الوطنية في جميع حواراته وندواته التي كانت تُعقَد طوال أربعة عشر عاماً من نشاطه، وكان حاضنة اجتمع تحت سقفها كل أطياف المجتمع الكويتي، من بدو وحضر وسنة وشيعة، شاركهم في ذلك إخوة عرب كانت لهم بصماتهم في الشأن السياسي الكويتي بشكل عام، فلم تعرف طروحات النادي روح التمييز، فلِكُلّ فكر ولِكُلّ رؤية، ولِكُل رأي مكان في ساحة نادي الاستقلال.
اليوم تقف جمعية الإصلاح الاجتماعي “لسان حال تنظيم الإخوان المسلمين”، مُتَململة و متَذَمّرة من محاولات التضييق على بعض أنشطتها رافعة شعار “العمل الخيري” الذي يحاول البعض محاصرته وتقويضه وفقاً لما تقول، على الرغم من أن العمل الخيري ليس مقتصراً على جمعية الإصلاح، بل هو صفة كويتية طالما تميّزت بها جمعيات كثيرة تعمل على نصرة الفقراء والمحتاجين، سواء من داخل الكويت أو من خارجها، ولعل ما يُميّز جمعية الإصلاح هنا عن سائر الجمعيات الخيرية في الكويت أنها منغَمِسة في الشأن السياسي أكثر بكثير من انغماسها في الشأن الخيري، وحيث حقّق لها مثل هذا التغلغل حضوراً قوياً ومكثّفاً، سواء في السلطة التشريعية مُمَثّلة بمجلس الأمة، أو في الحكومة وخلف مكاتب السلطة وصناعة القرار.
لكن، وعلى الرغم من الموقف الصامت لتيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جمعية الإصلاح من حل نادي الاستقلال، الذي أدى إلى تقنين التنوّع الفكري والسياسي في الساحة الكويتية، أقول على الرغم من ذلك، فإن منتسبي نادي الاستقلال فكرياً، والذين يُمثّلون شريحة كبيرة من التيار الوطني النشط سياسياً اليوم، لم يحاول أي منهم استغلال الظروف أو الدعوة إلى إقصاء جمعية الإصلاح أو فكرها، بل حدث العكس تماماً، فلقد وقف أغلب شباب التيار الوطني مع حق أقرانهم في جمعية الإصلاح، إيماناً منهم بأن ثقافة نادي الاستقلال قد رسّخت لديهم الفكر التسامحي لا الإقصائي، وبأن أخلاقيات العمل السياسي كما ورثوها من رموز التيار الوطني في الكويت، تحض على فروسية الاختلاف بالحوار وبالمشاركات الوطنية المثمرة وبالبدائل والمواقف التنويرية والتقدمية.
منذ قرار حل نادي الاستقلال في 20 ديسمبر عام 1976، إلى يوم تصفيته وإغلاقه يوم 27 يوليو عام 1977، وحتى اللحظة الراهنة، لم تتقدم أيّ من تيارات الإسلام السياسي باحتجاج، ولو ورقياً، على إغلاق نادي الاستقلال، ربما لقناعة منها بأن النادي كان يُشكّل القطب السالب والخَطِر على مشروعها آنذاك، واليوم، بينما في المقابل، دافعت الصحافة وأصحاب الرأي الحر ضد الهجوم الذي تعرّضت له جمعية الإصلاح، وضد المطالبة بتحجيم أنشطتها، ورفض اتهامها بالتآمر لقلب نظام الحكم.
نحن اليوم في الكويت، ربما نكون في أشد الحاجة إلى استعادة توازننا الوطني، الذي طالما ميّزَ مسيرتنا وحراكنا السياسي، ولعل الفرصة اليوم أصبحت سانحة لإعادة النظر في مسألة إقصاء أي تيار نشط وسليم النيات، سواء كان ذلك نادي الاستقلال، أو أي تيار سياسي آخر!
