غير مصنف

“مع” أو “ضد” أحمد الفهد

[جريدة القبس 20/9/2021]

بعد أكثر من سبعة أعوام، عادت قضية “شريط الفتنة” إلى الواجهة من جديد.. ولكن بهيئة مختلفة هذه المرّة، فقد أدانت محكمة في جنيف أحمد الفهد الصباح بتهمة التزوير، وقضَت بحبسه 30 شهراً سيقضي نصفها في السجن.. وذلك في التهمة المرتبطة بتدبير قضية تحكيم زائفة في جنيف، حيث خَلصت هيئة مؤلّفة من ثلاثة قضاة إلى أن أحمد الفهد ومساعده وثلاثة من المحامين قد أقاموا دعوى تحكيم في جنيف للحصول على حُكم لمصلحتهم، لذلك فقد تمّت إدانة الفهد بتدبير قضية تحكيم وهمية لإضفاء شرعية على تسجيلات فيديو قدّمها للتدليل، بحسب ادعائه، على ممارسات فاسدة لرئيس الوزراء السابق ناصر المحمد الصباح والراحل جاسم الخرافي.. هذه مقدّمة كان لابد منها لمن فاتته تفاصيل الحُكم الأخير.
بَقيت القضية منذ إثارتها في عام 2014 داخل إطار الكويت.. وأثارت حينها ما أثارت من ردود فعل متباينة.. تأجّج معها الشارع الكويتي وبشكل غير مسبوق، بين مُشكّك لما ورد فيها من تفاصيل ومؤكد لكل ما جاء فيها، بحيث انقَسَمَ الشارع الكويتي حينها بين مع أو ضد أحمد الفهد.
اليوم يعود الشريط وتعود معه القضية، لتَلقى كذلك تجاذبات مختلفة وينقسم الرأي العام من جديد بين مع وضد. فهل ينجح الحكم السويسري في إطفاء ما أثاره ذلك الشريط المزعوم من فتنة، أم يكون مجرد بداية لإشعال معركة جديدة بين هؤلاء الـ “مع” وأولئك الـ “ضد”؟
بداية تجب الإشارة إلى أن الحُكم أو القرار السويسري يرتبط بالتزوير الذي طال التحكيم الصوري فقط، لكن الإثارة التي سبّبها شريط الفتنة، والتي بلا شك تحمل انعكاسات مباشرة وخطيرة على الشأن السياسي في الكويت، لن يحسمها قرار القاضي في سويسرا، فالقضية وإن كان هنالك من ما يزال ينفي ذلك، أثارت وتثير وبشكل مكثّف مسألة العلاقة داخل بيت الحكم في الكويت، والتي بَقيَت تُطل برأسها على استحياء وعبر عقود عند كل أزمة سياسية تمر بها الكويت، إلى أن أصبح من الصعب بمكان إنكارها، خاصة في المرحلة التي أعقَبَت تحرير الكويت، وهو أمر كثيراً ما حذّر منه مُخضرمون سياسيون، من الذين طالما عبّروا عن مخاوفهم من انعكاسات خلافات وصراعات أطراف داخل أسرة الصباح على كل المناحي السياسية في الكويت.
في عام 1752 اختار الكويتيون صباح بن جابر المعروف بصباح الأول حاكماً وفقاً للطريقة العربية العشائرية، وذلك لتصريف شؤون المدينة والفَصْل فيما يقع بين سكانها من خلافات، واستمر معها النهج الكويتي القائم على علاقة التعاون والتشاور بين القيادة والشعب، الذين برز منهم بعض التجار ممن شكّلوا ثقلاً اقتصادياً آنذاك جعل الحاكم حريصاً على مشاورتهم، لتتطوّر الأمور فيما بعد وتخرج من رَحم هذا التزاوج أول تجربة انتخابية لمجلس بلدي في الكويت، ولتعقبها انتخابات للصحة والمعارف والأوقاف، إلى أن حدثت أول مواجهة في عام 1938 بعد إصرار الكويتيين على ضرورة المشاركة بالحكم بشكل أكثر ديمقراطية، ولتتوالى الأحداث فيما بعد الاستقلال بإعلان الدستور والبدء بالانتخابات البرلمانية، والتي بدأ فيها بعض أبناء الأسرة في استقطاب أطراف لمصلحة أهداف مختلفة، مما شكّل أبرز معوقات تطوير التجربة.
استمرت حالة الشد والجذب هذه إلى أن أصبحت انعكاساتها أخطر من أن يتم تجاهلها، وذلك في العقود الأربعة الأخيرة، ليأتي شريط الفتنة مُسلّطاً المزيد من الضوء على مثل هذا الواقع، ولتتداعى فيما بعد صراعات لأطراف داخل الأسرة وتصبح فضائح تتناولها الصحافة وأدوات التواصل الاجتماعي.
لقد أثبتت تجربة الغزو المرير مدى تمسّك أهل الكويت بمؤسساتهم التشريعية: مؤسسة الحُكم أو الأمير كمُمثّل للأسرة، والمؤسسة البرلمانية مُمَثّلة بمجلس الأمة كمُتحدّث بلسان الشعب، فعَبر ما يُقارب أربعة قرون من نشأة الكويت، سارت الأمور وفقاً لمثل هذا الشكل أو الائتلاف السياسي والاجتماعي، إلى أن جاء من أخَلّ بتلك المقوّمات، فأصبحت معها النزاعات والصراعات أكثر بكثير من محاولات البناء أو التعاون الهادف لما فيه مصلحة الكويت وأهلها.
سيبقى الحكم الصادر في سويسرا حكماً قضائياً لن يَطال محتوى وجوهر المشكلات والأزمات الأخيرة داخل الكويت، فحكاية الشريط لم تكن لتَحدث أو لتَجِد صدى لو لم يكن الوضع داخل أسرة الصباح قد بَلَغ مرحلة تسمح بالتسرّب، وتستدعي بذلك تدخّل حكماء الأسرة، يعاونهم في ذلك المخضرمون من أهل الكويت. كما أن الحكم القضائي السويسري لن يناقش صحّة محتوى شريط الفتنة ولا أسباب ظهوره، ولن يُقاضي الأطراف التي لها مصالح في عملية الإثارة والتأزيم، فهذه كلها شؤون كويتية خاصّة، تستدعي وقفة صارمة من المَعنيين لإعادة التوازن والهدوء والتعاون داخل أسرة الصباح وأسرة الكويت.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى