غير مصنف

حوار الحكيم.. بين الشعب والنظام!!

[جريدة الطليعة 9/2/2000]

حديث الحكيم “أحمد الخطيب” الذي نشرته جريدة القبس في الأسبوع الماضي… هو حديث مليء بالحكمة والحكم التي نتمنى لو أنها لاقت أذناً صاغية وضميراً يقظاً!!
استعرض الحكيم في حديثه أحداثاً وتواريخ وشخصيات عاصرها وعمل وتعاون معها. وتعرض فيه لمحطات مختلفة من تاريخ الوطن متحسساً بيده باطن المشكلة التي جعلتنا كدولة ننحدر ككل هذا الانحدار على الرغم من وفرة الأموال والعقول والتجارب.
حديث “الحكيم” الذي تصدر ثلاث صفحات كاملة في القبس. ركز على مشكلة يتيمة لا نزال نجترها وعلى مدى ما يقارب الخمسين عاماً تتلخص في مدى إدراكنا لمفهوم العلاقة بين الشعب والنظام. وحقيقة إيماننا وقناعتنا بالدستور كمصدر للتشريع والتنظيم وبالديمقراطية والمشاركة كأسلوب فاعل في إدارة شؤون الوطن والمواطن!!
يذكرنا الحكيم في حديثه بالعلاقة الوطيدة بين الديمقراطية من جهة وازدهار البلد من جهة أخرى. حيث كان ذلك النهج سائداً حتى من قبل وضع الدستور!! وكان لوجهاء البلد دور في المشاورة والاختيار وفي إدارة شؤون الوطن قديماً، كما كان هنالك يقين ووعي بأهمية دور الشعب، وقد كان ذلك واضحاً من خلال الحركات الشعبية التصحيحية في عامي 1921 و1938!!
لقد ربط “الحكيم” خلال حديثه بين القلاقل التي تعرضت لها الكويت والمشاكل التي واجهتها سابقاً وتواجهها حاضراً وبين تحجيم دور الشعب في المشاركة وتهميش الدستور والديمقراطية اللذين أصبحا أموراً شكلية في أعقاب تزوير انتخابات 1967!!
لقد أثار الحكيم في حديثه العلاقة المباشرة بين الديمقراطية والاستقرار.
بدءاً “بقهوة بوناشي” أول برلمان كويتي في سوق التجار حين بدأت معالم الدولة السياسية تتحدد وتتضح وسط مناخ من الشورى والمشاورة. ومروراً بمرحلة الراحل “عبدالله السالم”، التي شهدت معالم انفتاح من أندية وصحافة ودعوة لانتخابات المجالس في عام 1952 في جو مثالي عزز العلاقة بين الشعب والنظام وأرسى أسسها!! ووصولاً إلى الاستقلال وإعلان دستور البلاد في موجة من المشاركة الشعبية المثالية، والتحالف الناضج بين الإرادة الشعبية وأعمدة النظام.
حديث الحكيم كان عفوياً وصادقاً وصريحاً، وأهميته تأتي كونه قد جاء في فترة نحن أحوج ما نكون فيها لمثل هذه المصارحة والمكاشفة لكي نتمكن من إعادة بناء العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة صحيحة ومثمرة!!
وقد لا نجد وقتاً أكثر ملاءمة من الوقت الحاضر لإعادة بناء تلك العلاقة بين الشعب والنظام والتي طالما ميزتنا عن سائر دول المنطقة!! خاصة بعد أن أصبح الخلاف داخل مؤسسة الأسرة متداولاً في الصحافة وفي أحاديث الناس اليومية بصورة دفعت بالإشاعة لأن تكون سيدة القرائن والأحاديث!!
لقد أثبتت أحداث الغزو ومؤتمر جدة وما تلاهما من أحداث احترام المواطن وقناعته بالنظام السياسي في الكويت والذي يقوم على مؤسستين تساند الواحدة الأخرى، مؤسسة الأسرة من جهة ومؤسسة البرلمان ممثل الشعب من جهة أخرى!! وهو النظام الذي ضمن للكويت استقرارها وازدهارها وأمنها. ورأينا من خلال حديث الدكتور أحمد الخطيب كيف انعكس الخلل في أي من المؤسستين على الوطن، وعلى الاستقرار والازدهار فيه.
“العودة للجذور” التي أثارت “حماس” و”حفيظة” بعض المتشنجين الذين رأوا في إثارة الدكتور “الخطيب” لأتربة الماضي وذاكرته تحريضاً غير مبرر وتشويهاً بلا هدف لأشخاص وأحداث من تاريخ الوطن!! هي عودة صحيحة نحتاجها جميعاً في عملية ترتيب الأوراق وإعادة بناء البنية السياسية الكويتية بصورة صلبة وراسخة!! والحفاظ على المكتسبات التاريخية التي هي حق للجميع وواجب على الدكتور “الخطيب” وعلى غيره الحفاظ عليها وتمريرها إلى جيل الغد!!
الذين شدهم حديث “الحكيم” لم يشدهم لأنهم هواة تمرد ومعارضة!! وإنما لأنه خرج بالنقد والاعتراض من ساحة الخجل والمداراة والمجاملة إلى ساحة المكاشفة والمصارحة، فاتحاً المجال لمزيد من النقد الذاتي الذي يعتبر مؤشراً على النضج ودليلاً على درجة عالية من الوعي!!
والمطلوب من كل الأطراف الآن أن تستمر في حديث العلانية الذي بدأه “الحكيم” وأن نستلهم من الماضي والجذور القوة والسند في مشوارنا نحو المستقبل، وأن يكون هدفنا دعم التعاون والتنسيق بين مؤسستي الدولة!! وأن الحفاظ على مؤسسة الأسرة هو حفاظ على مؤسسة البرلمان ممثل الشعب والعكس صحيح ومنطقي!! لأن الدولة في نهاية الأمر ليست أهازيج غناء وشعر ومهرجانات، وإنما هي علاقة بين الشعب والنظام!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى