
لم تخل مسيرة الكويت الديمقراطية من تحديات كان بعضها قاسياً كل القسوة! إلا أن صعوبة تلك التحديات وقسوتها تعتبران من أهم الروافد في طريق تنظيم التجربة الديمقراطية وتنقيحها عاماً بعد عام وجيلاً بعد جيل! فلقد سبق أن وقف أبناء الكويت في وجه بعض المحاولات الرامية إلى تشويه الإرث الديمقراطي في (حادثة) المجلس الوطني المشبوه، كذلك أجمع أهالي الكويت بكافة ألوانهم وتوجهاتهم على ضرورة الحفاظ على الشكل الديمقراطي للنظام السياسي في الكويت، حين جعلوه عنواناً رئيسياً لاجتماع جدة الشهير الذي عقد إبان فترة الغزو المشؤوم.
ومع حلول كل انتخابات برلمانية، تتجدد المحاولات الوطنية للحفاظ على واجهة الكويت الحضارية والمتمثلة في الممارسة الحرة والمنافسة النزيهة للعملية الانتخابية بشكل عام، على الرغم من محاولة بعض الجهات من المتنفذين إعاقة تلك الجهود، واختراق قوانين الانتخابات المقرة والمتفق عليها!
لقد جاء التحدي الأكبر لمسيرتنا الديمقراطية مجسداً في عملية إعادة بناء الكويت، سياسة ومجتمعاً، بعد كارثة الغزو العراقي، وراهن الجميع على درس الغزو الثمين، والذي سيجعلنا نعيد النظر والقرار في الكثير من أمور وطننا! وخسر الجميع الرهان حين تدهورت الأوضاع في ظل ذلك التراجع المخيف في الحس الوطني والديمقراطي وانعكاساتها المباشرة على عملية الانتخاب والترشيح بشكل عام! حيث تضاعفت جرائم النهب والتحايل على المال العام، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال عرقلة إجراءات الإصلاح في مسارات الدولة ومؤسساتها! وانتشرت الرشوة والمحسوبية والتنفيع بصورة متفاقمة، دفعت النائب المستقيل حسين القلاف للتقدم بأول استجواب حول التسيب في المجتمع، وتحويل المنصب الوزاري إلى أداة تنفيع وجسر انتخابي ووسيلة لكسر القانون! وغياب الرقابة النيابية حين يتم التجاوز من قبل العديد من النواب ومن بعض الوزراء النواب، حيث يتم تجيير النظام الديمقراطي الكويتي لخدمة القلة المتنفذة!
ومثلما شكلت تجربة الغزو تحدياً أخفقنا في اجتيازه، يأتي انهيار النظام العراقي، وتغيير الوضع السياسي في العراق ليشكلا تحدياً آخر نتمنى أن نجتازه بحظ أوفر! خاصة ما يتعلق بالتجربة الديمقراطية ومظاهرها البارزة في عمليات الترشيح والانتخاب! فعلى الرغم من اقتراب موعد الانتخابات إلا أن الدولة بأجهزتها الرقابية لا تزال عاجزة عن تطبيق قانون الانتخاب الذي ينص صراحة على منع الانتخابات الفرعية، وعمليات شراء الأصوات، مع كل ما تحمله هاتان المخالفتان من أضرار وتقويض لعامل النزاهة والشرعية في العملية الانتخابية بشكل عام!
لقد برزت ظاهرة شراء الأصوات في المجتمع السياسي الكويتي مع انتخابات 1996، وعلى الرغم من صراحة ووضوح القانون الكويتي بهذا الشأن، حيث تعتبر المادة 35 من قانون 1962 كل من يقدم عليها يعاقب بالحبس ويضاف إلى سجله الإجرامي ويحرمه من ممارسة حقه النيابي! إلا أنها كظاهرة آخذة في الازدياد حتى أصبحت معلماً من معالم الانتخابات في الكويت تسعّر فيها الأصوات، وتتم عمليات تسليم الصوت واستلام المبلغ جهراً وعلانية وأمام أعين المراقبين وأجهزتهم الرقابية! بل إن هنالك من يأتي إلى مراكز الاقتراع بحقائب مملوءة بأوراق النقد التي يتم توزيعها على أصحاب الذمم الرخيصة!
إن ما يثير القلق تجاه تلك المخالفات لقانون الانتخاب أنها أولاً تناقض مبدأ الإرادة الحرة، والتي تأتي كأبرز علامات النظام الديمقراطي، وتؤصل منهج (التبعية) والانقياد اللا حر والمكبل بقيود الحاجة المالية أو الاجتماعية! وثانياً لأنها تعبر عن مجلس زائف لا يعكس الإرادة والاجماع الشعبي!
أما ثالثاً، فهو ما تعكسه تلك المخالفات من فساد إداري، خصوصاً أنها تحدث أمام مرأى وسمع الأجهزة الرقابية في الدولة، والتي عادة ما تكون طرفاً مباشراً في تلك المخالفات.
وعلى الرغم من تزايد شراء الأصوات والانتخابات الفرعية، إلا أننا لم نسمع بعد عن موقوف واحد خالف قانون الانتخاب واتخذت بشأنه الإجراءات العقابية! بل على العكس من ذلك، فنحن كثيراً ما نسمع عن مسؤولين يحضرون بعض الانتخابات الفرعية، وآخرين يتحدثون صراحة عن استعداداتهم لمضاعفة سعر الصوت الانتخابي! وما لم يخرج قرار حازم وجريء بتفعيل قانون الانتخاب، سيبقى المجلس مقلوباً، والوضع السياسي معطوباً والقادم أكثر وأخطر!
