
على مر العصور والأزمنة.. اعتاد قاطنو نجد – قلب جزيرة العرب – على اعتبارها أرضاً تلفظ أهلها.. وتطرد روادها!! وقد سيق ذلك التعبير تاريخياً.. كناية عن وعورة أرضها.. وندرة مصادر الرزق فيها!! حتى لقد وصفها بعضهم بالرحم الذي ينكر أبناءه فيقذف بهم إلى خارجه!!
وقد لا نكون في هذا الوطن.. جغرافيا.. جزءاً من نجد.. وإن كنا تراثياً وثقافياً وقبلياً.. نشكل في وجودنا امتداداً.. لتلك الأخاديد الرملية بتعرجاتها الجيولوجية.. نعود فنقول إن جزءاً كبيراً من هذا الوطن ينطبق عليه القول والوصف بالامتداد النجدي!! ما نرمي إليه هنا.. هو أننا وبرغم حدودنا الجغرافيا الساحلية، نحمل على ما يبدو في تكويننا المجتمعي والسياسي.. جزءاً كبيراً من الإرث النجدي في نبذ الأبناء.. ولفظهم خارج المجتمع والوطن!!
فالضجة التي أثارها استجواب وزير التربية.. وما تلاها من تهديد باستجواب آخر يشل ما تبقى من زمن المجلس الحالي!! ثم التفسير الخاطئ للقوانين.. والتخبط بين ما ألغي منها وبين ما لا يزال قائماً.. والذي شهدناه في واقعة جريدة “الأنباء”!! ثم ما تلا ذلك من إشاعات عن حل قريب للمجلس.. وعن تدوير وزاري مرتقب!! وما إلى ذلك من تكهنات.. وكأن المجتمع والوطن بأفراده في حضرة منجمين ومتتبعي أثر.. لا في رعاية دولة بمؤسسات قانونية!
تلك الضجة.. وما تلاها من تفاعلات.. تدفع بالرأي القائل: إن الخلل في هذا الوطن.. هو ولا شك خلل إداري.. أكثر مما هو خلل مواطنة.. كما يحاول البعض أن يشيعه كواحد من معوقات الإصلاح والبناء في هذا الوطن!! فمن خلال أحداث كثيرة عبرت بتاريخ هذا الوطن الصغير.. كان آخرها تجربة الغزو.. وتداعياته.. تنضح معالم الفشل الذي جعل من بقعة صغيرة جغرافيا.. وضئيلة بشرياً.. تعجز عن بناء مجتمع متكامل على الرغم من خرافية الثروة المتوافرة!! ففي كل التجارب السابقة.. يأتي دور المواطن.. ليحطم كل الصور السلبية التي طالما ألصقت به!! وليبقى العجز والتخاذل من جانب الوطن ممثلاً بالقائمين على الإدارة والإشراف في مؤسساته!! ففي كل مرة يتشبث المواطن فيها بأرضه.. ويلتصق بها.. يلفظه الوطن.. ويطرده خارجاً.. بعد أن يبعث كل صنوف اليأس والتذمر فيه!!
والوطن بكل تأكيد.. لا يعني الحدود الجغرافية.. ولا المساحة الجيولوجية.. ولا الكثافة السكانية.. ولا مصادر الرزق والمعيشة وحسب؛ فتلك مقومات بدائية للأرض وللوطن.. فرضتها ظروف لم تعد قائمة.. في عصر الفضاء والكمبيوتر.. وثورة المعلومات.. والتي اخترقت كل الحدود البدائية للأوطان.. وأرست قواعد جديدة لبنى الدولة والوطن!!
إن الحدود الحديثة للدولة وللوطن هي حدود تؤطرها قوانين وتشريعات سارية وفاعلة!! وهي حدود إن سقطت سقط الوطن كياناً ووجوداً!! والأمثلة من حولنا أكثر من أن تعد وتحصى.. فلقد سقطت أفغانستان في بحر من العنف والفوضى والدمار حين سقطت القوانين فيها.. وتداخلت التشريعات.. وتمزقت جغرافية الحدود فيها حين تمزقت القوانين، بينما تعاني الجزائر مما هي فيه حين اخترقت القوانين وألغيت!!
قد لا نكون في هذا الوطن.. قد وصلنا إلى ما وصلت إليه تلك الدول من إبطال وتعطيل للقوانين.. وخرق لحقوق المواطن الشرعية في حدود قانونية تضمن له استقراراً وأمناً لا يقل عن دور الحدود الجغرافية في ذلك. وإن كنا قد بدأنا نشهد مؤشرات تقول بتكرار اختراقات القوانين.. والتي أصبح المواطن أكثر حرصاً على تبينها والتأكيد عليها بعد أن أيقن فداحة الثمن الذي قد يسدده جزاء تجاهلها أو التهاون عن المطالبة بها!!
إن الدولة بالمفهوم الحديث.. تستمد شرعيتها من الدساتير والقوانين السارية فيها!! والتي تعطي للمواطن صفة تشريعية من خلال دوره في المجالس النيابية.. والمحاكم المدنية.. والهيئات والمؤسسات التشريعية الأخرى.. وذلك كان سلاحنا ولا شك إبان مرحلة الغزو البغيض.. حين حرص المواطنون على تأكيد متانة وصلابة حدودهم القانونية والشرعية.. يوم أن اجتمعوا في مؤتمر جدة.. في أكتوبر 1990.. وشكلوا جداراً عالياً متماسكاً.. بعد أن سقطت الحدود الجغرافية!!
لقد اختلطت القوانين في هذا الوطن.. وأصبحت التجاوزات واختراقات القوانين هي القاعدة.. حتى لقد تراجعت معها همة المواطن.. وفترت وطنيته وعزيمته.. بعد أن أيقن من شفوية القوانين.. وعجزها عن التلاؤم مع الروح الجديدة التي اكتسبها الوطن في صراعه بين أن يكون أو لا يكون!! فإذا كانت نجد قد لفظت أبناءها يوماً من فرط العوز والفاقة!! فإن الوطن اليوم يلفظ أبناءه جهلاً وتعنتاً!! لتتصدع أولى لبنات الحدود الحقيقية!!
