الأرشيف

يوم رحلت موضي

[جريدة القبس 12/3/2019]

كتبت على بروفايل حسابها في تويتر الجملة التالية: “أيامنا أحجية، حين نفك رموزها، نختفي من المشهد”، وهكذا اختفت صديقة الطفولة والصبا والشباب موضي سليمان الهويدي، اختفت عن الحياة كما نعيها ونتحسسها، لكنها بقيت وستبقى سيدة كل المشاهد من حولي وحول كل أهلها وأبنائها وأصدقائها ومحبيها.
لا شيء أصعب في هذه الحياة من فقدان صديق أو حبيب أو قريب، فهم يرحلون ويتركون ندوباً غائرة في الذاكرة لا يمحوها الزمن مهما طال أمده، فالراحلون وإن غابوا عن عالمنا المادي، فإنهم يبقون أحياء في غلاف الذاكرة وعبقها. نسترجع حضورهم في كل حديث وكل شاردة بل وفي كل نجمة أو غيمة عابرة.
أوجعني كثيراً رحيل صديقة عمر، وصندوق مخملي خبأنا في طياته كل حكاياتنا وأحلامنا وعالمنا الصغير عبر سنوات طويلة من الألفة والصداقة والمحبة، ولكن قد يختفي الصندوق ويتلاشى أثره، إلا أن ما وضعنا فيه من قصص وحكايات وأحاديث وضحكات وشجون، ستبقى كلها عالقة في ثنايا الذاكرة.
غريب أمر الموت، حين يفاجئنا ويدخل بيوتنا ليلتهم أفراحنا وملذاتنا، فنستيقظ لندرك حينها أن للحياة نهاية، وأن الصعود إلى السماء أمر لا بد قادم.
نحن دائماً ما نتجاهل نزوة الموت وحقيقته إلى أن يقترب من أبوابنا ويصدمنا حضوره في عزيز أو حبيب أو قريب، فلا شيء يقهر الإنسان ويهزم جبروته وعنفوانه إلا الموت، فيستسلم له من دون جدال ولا مقاومة، بل وبانصياع مطلق. تختلف مشاعر الناس تجاه الموت وتتعدد بعدد الثقافات السائدة في العالم من حولنا، وتُروى أساطير وحكايات كثيرة حول الموت وأسراره، فمنهم من يرى في الموت رحلة نحو السماء، ومنهم من يرى فيه يقظة بعد سبات الحياة، هنالك من وضع نصوصاً للموت، وكما هي حال الفراعنة، تتضمن التعاويذ والصيغ السحرية التي تصور حال الميت ورحلته في العالم الآخر، ويبقى الموت سر أسرار الكون، يلهث الإنسان عبر تاريخه للإحاطة بكينونته، فيبني المعابد والأهرام والمقابر ويصيغ الروايات الفلكلورية والأساطير لفك طلاسمه، ولكنه في كل مرة يعود مهزوماً أمام هذا السر الكوني الكبير.
ويبقى الموت في النهاية غياباً لحبيب أو صديق أو قريب يحني هاماتنا ويهزم أفراحنا، ولا نملك حيال مباغتته لنا إلا أن ندعه يعبر ليخطف من يخطف ويتركنا نئن من فرط قسوة حضوره، فإلى جنة الخلد يا موضي، وخالص العزاء لوالدتك الكريمة وأبنائك وأخواتك وإخوانك، فلقد صمت الكروان يوم رحيلك يا موضي!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى