القضية الفلسطينيةملفات ساخنة

يوم الطوفان للأقصى

يوم الطوفان للأقصى

قد لا تشبه عملية طوفان الأقصى في حجمها ودرجة تصعيدها وعمقها الاستراتيجي والعسكري أي عملية عسكرية أخرى، حيث بدأتها فصائل مقاومة فلسطينية من كل التوجهات بإطلاق آلاف الرشقات الصاروخية تجاه تل أبيب ومستوطنات غلاف غزة، مع اقتحام واسع للمستوطنات واحتجاز عدد من المستوطنين وأسر العديد من الإسرائيليين، حيث أدلى جيش الاحتلال الإسرائيلي عن حصيلة أولية عالية من القتلى والأسرى والجرحى في هذا العصف الصاروخي الأضخم منذ عشرات السنين تجاه الكيان الصهيوني.
ما يلفت الانتباه في عملية طوفان الأقصى أنها تأتي بالتزامن مع مشاريع التطبيع الآخذة في التمدد داخل الخريطة العربية، مما يطرح أكثر من تساؤل حول توقيت الطوفان وارتداداته السياسية فيما بعد.
بدأت جهود التطبيع ومعاهدات السلام منذ سبعينيات القرن الماضي، وفي كل الحالات كانت هنالك محاولات لإيجاد شروط يمكن على أساسها الاتفاق على السلام في الصراع العربي الإسرائيلي، بدءاً  بمعاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية عام 1979، ومعاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية عام 1994، واتفاقيات إبراهام التي تطبّع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين عام 2020، واتفاقية التطبيع بين إسرائيل والسودان عام 2020، والمغرب عام 2020 كذلك، هذا بالإضافة إلى قيام العديد من أعضاء  الجامعة العربية بعلاقات شبه رسمية مع إسرائيل.
وبالرغم من كل هذه الاتفاقيات لتسوية النزاع وكبح جماح الحروب، فإن التطبيع وفقاً للرؤية الإسرائيلية بقي غائباً عن كل تلك المحاولات السالفة الذكر. فالتطبيع الذي تريده إسرائيل هو قطعاً ليس على مستوى الأنظمة والقنوات الرسمية، هي تريد فتح جبهات شعبية عربية وإسلامية تجعلها جزءاً من منظومة الشرق الأوسط بشكل فعلي وليس شكلياً، وهو ما لم يحدث منذ أول تطبيع في عام 1979 وحتى اللحظة.
أتت صفقة القرن بمبادرة من ترامب، الذي نقل سفارته إلى القدس، وها هو بايدن يلوّح بمشروعه في شرق أوسط جديد، تكون فيه إسرائيل هي المهيمنة اقتصادياً وعسكرياً وأمنياً وثقافياً، وهو ما لن يحدث على المستوى الشعبي، بدليل موقف شعوب الدول المُطبّعة التي لا تزال ترى في الكيان الصهيوني عدواً ومُغتصباً لأراضٍ عربية.
الكيان الصهيوني إذاً هو من لا يريد السلام ولا الاستقرار، الأمر الذي حتماً سَيُهدّد أمنه وسَيُجرّده من “حقه” في ضرب جيوب المقاومة وقمع الفلسطينيين سياسياً وعسكرياً وفكرياً ودينياً.
عملية طوفان الأقصى تأتي اليوم لتطرح أكثر من سؤال حول تبعاتها السياسية، وعمّا إذا كانت ستُشكّل ضغطاً مباشراً على مشاريع تطبيع قادمة وأخرى سابقة، أم أنها ستُساهم في ترسيخ “حق” الكيان الصهيوني في الدفاع عن أمنه، وبالتالي إعادة رسم صورته دولياً كدولة ديمقراطية مُسالمة ومُحاطة بأعداء وتستحق الدعم العسكري والمالي والمعنوي من العالم كله، خصوصاً في ظل الصورة القبيحة للكيان، التي أصبحت رائجة في العالم مع ارتفاع حدة انتهاكه للمدنيين المسالمين في غزة وغيرها.
تكون التداعيات السياسية عادة أكبر في أثرها من الحروب العسكرية، فاتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها بعد الحرب العالمية الثانية، هي التي شكّلت الخريطة السياسية للعالم فيما بعد، واتفاقية يالطا هي التي حدّدت كيفية تقسيم ألمانيا ومحاكمة أعضاء الحزب النازي وأعلنت تحرير أوروبا، والسماح لسكانها بإنشاء المؤسسات الديمقراطية وفقاً لاختيارهم.
عملية طوفان الأقصى عميقة في حجمها، وحتماً ستحمل معها تداعيات سياسية، نتمنى على الأطراف العربية ألا تخرج منها بخسائر تطبيعية تُكلّفها ما تبقى لها من كرامة، وتُحقّق لإسرائيل حلمها البعيد.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى