
أهدتني الصديقة العزيزة الدكتورة مي حمد الجاسر، مجلدين من مجلة “اليمامة”، التي أنشأها والدها المؤرخ والمفكر السعودي حمد الجاسر – رحمه الله – والذي كان من أبرز العلماء الباحثين في السعودية والعالم العربي، وعضواً سابقاً في أكاديميات بغداد ودمشق والقاهرة، بالإضافة إلى كونه من أهم روافد النهضة التعليمية الحديثة في المملكة العربية السعودية.
المجلدان يشتملان على أعداد مجلة “اليمامة” من العدد الأول لصدورها في أغسطس عام 1953، علماً بأن الجاسر قد أقدم على إصدار مجلة “اليمامة” في وقت لم يكن في المنطقة أبسط مقومات الصحافة!
ساهم في مجلة “اليمامة” مفكرون وكتّاب تناولوا قضايا لا تزال طازجة في عالمنا العربي بشكل عام، نقاش ومقالات حول التعليم، ودراسات في الأخلاق، ومقارنات بين القوة والعلم، والضعف والجهل، بالإضافة إلى بحوث لغوية واستعراض لتفاعل القراء مع ما تنشره مجلة “اليمامة” من رأي ومقال وغير ذلك الكثير.
من المقالات التي تم نشرها في مجلة “اليمامة”، مقال بقلم الأستاذ حمد الجاسر حول كتاب طه حسين “الفتنة الكبرى”، وهو الكتاب الذي كان ولا يزال يثير جدلاً وسط المفكرين. في مقاله هذا قدم حمد الجاسر نقداً بنّاء لهذا الكتاب الجدلي، لم يرد فيه لفظ نابٍ، كعادة مهاجمي الكتّاب، وإنما طرح علمي موثق، أبرز نقاط الضعف والقوة في كتاب لمفكر بحجم طه حسين فأعطاه حقه الأدبي والعلمي.
حمل الأستاذ حمد الجاسر فكراً تقدمياً عروبياً قومياً، لذا فقد حل مقال لمندوب الحكومة السعودية في مؤتمر مقاطعة إسرائيل في المكان الصحيح في هذه المجلة، حيث تناول الكاتب نماذج للمؤسسات الخيرية التي قامت بتأسيسها والإنفاق عليها الشعوب العربية وليس الحكومات.
كما كان للتعليم النصيب الأكبر مما نشرته مجلة “اليمامة” من مقالات، فقد كتب الأستاذ سمير شمّا مقالاً تناول فيه سبيل التعليم الصحيح، حيث استعرض خطة تعليمية لا نزال نتحدث في تفاصيلها الدقيقة إلى يومنا هذا!
أما في ميدان الإصلاح الاجتماعي فقد نشرت “اليمامة” مقالاً حول تنظيم الصدقات والهبات، انتقد فيه الكاتب العصور التي كان قصارى جهد الأمم فيها أن تحصل على قوتها، وتأكل لتعيش فقط، شأنها في ذلك شأن الحيوانات التي تعيش دائماً خالية الوفاض من تحمل التبعات الاجتماعية!
وهو مقال يحمل دعوة مشابهة ومتكررة اليوم حول دور المؤسسات المدنية.
حوارات وردت في مجلة “اليمامة” عكست بُعداً فكرياً ناضجاً نفتقده اليوم كثيراً، نفتقد مفرداته، ونضجه وأمانته العلمية، منها، مثلاً، حوار على شكل تساؤل حول ما إذا كان الإسلام يقي من خطر الشيوعية، ولكن متى، وكيف؟ وحوار آخر بين مؤمن وملحد كان زاخراً بالرقي اللفظي والعلمي!
رحم الله الأستاذ حمد الجاسر، والشكر كل الشكر لابنته الدكتورة مي الجاسر على تزويدي بمحصلة فكره وعمله والتي حوت آراء لا تزال صالحة المفعول لكنها بانتظار آذان تصغي وعقول تعي.
