الأرشيف

يعقوب الحلاق!

[جريدة القبس 4/3/2014]

• لمزاولة أي مهنة، ينبغي التدريب والتأهيل والدراسة الكافية للإعداد لها.
امتلأ البلد بمصممي الأزياء، وخبراء التغذية والعلاج الروحاني والاستشارات النفسية، بالإضافة إلى طهاة “الكب كيك” و”البراونيز” وجميع أشكال الحلويات! وتحولت شريحة كبيرة من الشباب إلى عمل تخطيط حفلات أعراس وميلاد وتخرُّج، وما شابه!
الدولة تبارك هذا وتشجعه، وهو أمر لا غبار عليه. لكن المخيف أن كل هذه المهن تعتمد على الرغبة ورأس المال فقط، من دون أي رقابة مسبقة، أو تخصص يذكر! فكل ما يفعله مصممو ومصممات الأزياء هو القيام بجولة في أسواق الأقمشة والكماليات، ومن ثم الاستعانة بخياط هندي شاطر، ليصبح هو أو هي مصمم أزياء تلتقيه الفضائيات، وتجري معه المجلات لقاءات مصورة! والأمر نفسه ينطبق على كل الأعمال التي ذكرتها في البداية!
مسألة التخصص غير واردة على الإطلاق في ثقافتنا، وبكل أسف! وهو أمر ينعكس – وبصورة سلبية – على أخلاق وثقافة المهنة بشكل عام. على الرغم من أن مسألة التخصص هي من شروط تكامل المجتمع وتناسق خط وسير العمل فيه!
شاب من سوريا سافر إلى النمسا واستقر في عاصمتها مع أسرته الصغيرة لاجئاً سياسياً، القوانين هناك تشترط استثمار القدرات الفردية، حتى وإن كان الشخص لاجئاً. لذلك، فقد فرضت على هذا الشاب دورات مكثّفة في اللغة، ودورات أخرى متعلقة بمهنته! وبما أنه كان يعمل في مجال تصفيف الشعر عندما كان في بلده سوريا، فقد أصبحت الدورات التي يتلقاها بهذا الاتجاه. وذلك لكي يتمكن من مزاولة مهنته القديمة، ولكن مع الفارق الشاسع! يحكي لي هذا الشاب كيف تدرج في سوريا من صبي حلاق مسؤول عن تنظيف الصالون، إلى غسل شعر الزبون وإعداده، ثم تطور في ما بعد ليصبح حلاقاً للنساء وللرجال!
غير أن الأمر مختلف تماماً هنا في النمسا، فالدورات المكثفة التي حضرها، قبل أن يحصل على رخصة حلاق لمزاولة المهنة بشكل قانوني، تشمل مواد تتعلق بمعرفة تفاصيل الشعر، والجلد، والإسعافات الأولية، ودراسة مكونات الشامبو والكريمات وكل مواد تصفيف الشعر! بالإضافة إلى مواد أخرى تتعلق بمساحيق الوجه ومكوناتها، وفن تصنيع الشعر المستعار، والعناية بالجلد والأظافر، وأمور أخرى كثيرة استغرقت منه دراستها عامين، أصبح بعدها يعقوب حلاقاً قانونياً!
حلاقة الشعر وتصفيفه مهنة كسائر المهن، والمهنة لا يمكن أن تكون بالتجربة والخطأ، ولا تحكمها الرغبة ووفرة المال وحسب، بل يشترط التدريب والتأهيل لمزاولتها. كل هذا بالطبع غائب تماماً في ثقافتنا المهنية. لذلك، نجد حلاقين وحلاقات يمارسون عمليات التجميل بكل حرية وثقة، ويستخدمون الإبر والمستحضرات التي تتطلب تعقيماً وتنظيفاً خاصاً، أمّا النتائج فنجدها في محاضر أقسام الشرطة التي تزدحم بالشكاوى من دون أي إجراء حازم ورادع!
يعقوب أصبح حلاقاً ومصفف شعر بالقانون، ونحن تمتلئ صالوناتنا بعاملات المنازل الهاربات ليعملن في مهنة يعقوب!
بينما يتحول نصف شباب الكويت إلى تصميم الأزياء، من دون – حتى – رخصة، أو خبراء طاقة وعلاج بعد قراءة كتاب واحد!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى