غير مصنف

يا دولة الدستور.. دمتِ أبيّة

18يناير2025

لكل دولة شخصيتها المميزة، تمامًا كما الناس، لكل سمته الخاصة وصفاته التي لا يتشارك فيها مع أحد، فمثلًا لو أغلقت عينيك وذَكَروا لك اسم مصر، فإن الذاكرة ستستحضر فوراً الأهرامات والسينما العريقة وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، ولو ذكروا لك اسم لبنان، فإن ذاكرتك ستقفز بك إلى شجرة الأرز ومهرجانات بعلبك وفيروز ووديع الصافي، وهكذا تستَلهم كل دولة شخصيتها من تراثها وثقافتها وفنونها، فترقص أسبانيا الفلامنكو، وتتحرّك البرازيل على وقع السامبا، وتخطو باريس وتتعطّر على إبداعات شانيل وغيرها من دور الأزياء والعطور.
في أعقاب النجاح الجميل الذي حقّقته الكويت في تنظيم كأس الخليج، أصبح حديث العامّة والصحافة يدور حول إمكانية أن تتحوّل الكويت إلى دولة سياحية جاذبة، فأصبح البعض يقترح مضاعفة المهرجانات التسويقية وزيادة عدد الحفلات الغنائية واستضافة فعاليات ترفيهية جاذبة، وهو مقترح منطقي لو أن الكويت كانت فعلًا تفتقد مقومات الاستقطاب والجذب، والتي يجب عدم اقتصارها على الحفلات أو مهرجانات التسوّق فقط، مع ما يحمله ذلك من إيجابيات، فالكويت كانت دومًا جاذبة لأخوة خليجيين وأشقاء عرب وجدوا فيها مساحة شاسعة من الحريات السياسية والاقتصادية والفكرية والإعلامية، ومسكنًا للعلاج والتعليم والعمل.
شخصية الكويت هي في كونها الحاضنة لمؤسسات مجتمع متكامل، مؤسسات ثقافية وفنية أفرزت أعمالا مسرحية خالدة، ومجلات عريقة مثل مجلة العربي، وعالم المعرفة بالإضافة الى المجلس الوطني للثقافة والفنون، ومعاهد الموسيقى والمسرح، فكانت انطلاقة أول سينما خليجية وصلت إلى العالمية من خلال أفلام مثل «بس يا بحر» و«عرس الزين» وغيرهما. كما احتضنت الكويت بُنية سياسية راسخة وناضجة، فخرج دستور 62 ليُشكّل أحد تلك الأعمدة، وظهرت المجالس البلدية والتعليمية منذ فجر نشأة الكويت، والمحاكم المدنية، ومن بناء السور إلى تأمين الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي مضت الكويت في رسم معالمها المميزة، وأصبح للكويت شخصيتها الخاصة، والتي تناولها الشعراء في أبياتهم، فقال الشاعر الراحل زيد الحرب في بُنيتها السياسية:
يا مجلس التأسيس حنا انتخبناك
نبغيك إذا تهنا بدرب تدله
ولا ضاعت الأفكار نلوذ بحماك
وتصير مثل الفرس نرقد بظله
وانت الطبيب علاجنا مرهم دواك
وانت الشفا للشعب من كل علة.
أما الشاعر الكبير أحمد العدواني الذي صاغ نشيد الكويت الوطني فقد قال:
يا واضعي الدستور إن عماده
ما بين أعينكم تراث مشرق
فاستلهموه يمنّكم بمناهل
نحن الكويتيون شعب واحد
ما للتفاوت منزل في دارنا.
مثل هذه الشخصية التي اتسمت بها الكويت تدفع أي شخص لاستحضار ملامح الكويت الدولة وإن كان مغمضًا العينين، وهو ما استلهم منه بعض الفنانين الخليجيين وليس فقط الكويتيين، مثل الفنان حسين الجسمي، حين أنشد في الكويت صادحًا «يا دولة الدستور دمت أبيّة.. غالية عزيزة حرة وشعبك أحرار».
تجوّل في الكويت وانت مغمض العينين، وستستحضر ذاكرتك، الشيخ صباح بن جابر الذي شيّد أول سور عرفته الكويت، والشيخ عبد الله السالم وهو يتسلّم وثيقة الدستور، كما ستقودك الذاكرة لتستدعي رموزًا شكّلوا شخصية الكويت، من صالح العجيري إلى الدكتور أحمد الخطيب، ومن محمد مساعد الصالح الى عبدالله النيباري، ومن سامي المنيس الى المربي يوسف بن عيسى، ومن جاسم القطامي إلى الشهيد أحمد قبازرد وثلّة الشهداء كلهم، ومن ماما أنيسة الى فاطمة حسين، وغيرهم الكثير ممن بقيت الكويت وتبقى بهم مُتميّزة، حرة، وأبيّة.
سعاد فهد المعجل
الكلمات المفتاحية:دولة الدستور-زيد الحرب-أحمد العدواني-الكويت

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى