شئون خليجية

وهوى المواطن.. من قمة المؤتمر

جريدة الطليعة 1995/12/13

لن يختلف تفاعل المواطن الخليجي مع حيثيات المؤتمر التعاوني الأخير.. عن بنود البيان الختامي للمؤتمر ذاته.. فالتكرار سيكون الصفة الغالبة!! تكرار التذمر من قبل المواطن.. وتكرار هامشية التصدي للقضايا الخليجية.. من قبل رواد وقادة المؤتمر!!
فعلى مدى ستة عشر عاماً.. تفاوتت أحداثها بين كوارث اقتصادية.. ومخاطر وتهديدات عسكرية.. وقلاقل سياسية.. وانتهاكات بيئية.. بقي فيها بيان المؤتمرات الخليجية (صامداً) كما هو!! واستمر فيها المواطن الخليجي بين متذمر من نتائج تلك المؤتمرات.. وبين متأمل راجٍ أن يعي الخليج وأبناؤه مخاطر المستقبل وخطوبه.. وأن يعملوا وفق ما أتى به تداول السنون والأيام!! ستة عشر بياناً ختامياً.. ليس فيها واحد يطرح برامج فاعلة.. أو خططاً لفتح قنوات اتصال تحقق شعار (التضامن والوحدة الخليجية)!
ستة عشر عاماً.. اجتمع خلالها الخليجيون.. لتبادل الشعارات الوطنية.. والحوارات الدبلوماسية اللبقة.. دون أن يغوص أحد منهم إلى أبعد من ذلك السطح الهادئ!! وستة عشر عاماً.. والمواطن الخليجي يستنكر كتابة وقولاً.. ذلك التردد والتعثر عن حل قضايا ومشاكل هائجة تحت سطح الدبلوماسية الهادئ الساكن!!
هي إذن ليست قضية زعامات وقادة وحسب.. وإنما هي كذلك قضية أفراد ومواطنين.. عاجزين أن يدركوا طبيعة دورهم.. وأهمية تواجدهم.. وحقهم في أن يجنوا ثماراً من وراء تلك التجمعات القممية!! لقد عجزت فيما قبل كل المشاريع التضامنية الخليجية.. ولم تحقق أي من القمم الستة عشرة كلها.. أدنى تقدم ولو بتحقيق العناوين الرئيسية لتلك المشاريع والتصورات الخليجية!! على الرغم من حساسية مشروع كهذا.. والذي يجعل منه مشروعاً ضرورياً.. إضافة إلى كونه تقدمياً وطنياً!! فمشروع التضامن الخليجي.. تفرضه معطيات سياسية واجتماعية واقتصادية.. نالها من المستجدات في العقدين الأخيرين.. ما كان بإمكانه أن يكون محركاً ودافعاً لحالة الجمود الخليجية!! فمشروع التضامن الخليجي.. بخلاف مشروع التضامن العربي الذي استند إلى إرث ومعطيات الماضي.. هو لا شك مشروع ضرورة.. نابع من رؤى مستقبلية وتكهنات لا تقبل تأويلاً ولا جدلاً.. حول الصورة المستقبلية لمنطقة الخليج ودويلاتها القائمة!!
حقائق.. لا تحتمل تأويلاً.. ولا هي بموضع شك من قادة المؤتمرات التعاونية الخليجية!! حيث إن الاختلاف في المنظومة الخليجية.. ليس في الحاجة إلى نوع من التنسيق والتعاون بين دول المنطقة!! وإنما هو خلاف ونزاع راسخ وكامن في أعماق العلاقات.. وتحت الثياب الدبلوماسية الأنيقة!!
هو خلاف إذن حول مركزية القرار والهيمنة.. بدت مؤشراته واضحة وجلية خلال الاختلاف الأخير حول تسمية الأمين العام الجديد!! وإن كانت أسسه.. تعود إلى طبيعة نشأة وتشكيل مجلس التعاون الخليجي الذي أعقب مؤتمر الطائف في العام 1981!! خاصة أنها لم تكن صدفة أبداً.. أن يُعلن قيام المجلس بعد أقل من نصف العام على اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية!! ولم يكن إعلان إقامة قوة عسكرية مشتركة إجراء روتينياً وحيث أعلن قيام “درع الجزيرة”.. الذي بدأ مناوراته المشتركة في سنوات 84 – 86!! وما أعقبه من خطط لتوحيد نظم الدفاع الجوي.. وإقامة صناعة خليجية عسكرية.. وإنشاء قيادة بحرية مشتركة!!
بالإضافة إلى ذلك.. فإن هناك نزاعات حدودية خليجية.. لا تزال متأججة تحت سطح الدبلوماسية الهادئ!! وهي نزاعات يعود تاريخها إلى بداية هذا القرن!! وإن كان تفجر الثروة النفطية قد أضاف وغيّر الكثير من ملامح وشروط تلك النزاعات!! وبحيث أصبحت تخرج عن إطارها القبلي والعشائري.. والذي كان أساساً في حل وفض تلك المنازعات الحدودية. لتدخل في بروتوكولات عالم السياسة الحديث.. لتصطدم بعراقيل أصبحت تشل أدنى محاولات التنسيق والتعاون!!
مجلس التعاون إذن.. بصيغته الحالية عاجز الآن وسيعجز مستقبلاً.. عن حل أية مشكلة تطرأ بين أعضائه!! كما ولن يتمكن من تطوير أي مشروع تضامني أو تعاوني.. يخدم المواطن الخليجي!! لأن شيئاً من ذلك لم يكن أبداً من بنود إعلانه!! فالهاجس الأمني لدى الأنظمة الخليجية قد طغى على أية محاولة جادة لخلق أرضية ثابتة للتعاون فيما بين دول المنظومة الخليجية!! أضف إلى ذلك أن تقاسم الأدوار في المنطقة قد خلق مناخاً من القلق وعدم الثقة لدى الجميع!! فالسعودية تريد احتلال الصدارة.. والعراق يرى أن في استثنائه من المجموعة الخليجية تقليصاً لدوره كحامٍ وشرطي لبوابة العرب الشرقية!! وعمان تسعى إلى خلق محور مع اليمن للوقوف في وجه الكبار.. وقطر ترى أن حجمها لا يجب أن يكون عائقاً نحو دور رئيسي لها في المنطقة.. و… و… و…!! وشيئاً فشيئاً تتباعد صورة المواطن الخليجي.. ويهوي صوته.. ويصبح صفراً في سلم أولويات المجلس وقممه!!
لذا.. فلن نستغرب أبداً.. حين لا يتجاوز التغيير في برامج وإعلانات القمم الخليجية القادمة.. تغييراً في مقر الانعقاد.. وأحياناً في بعض الوجوه.. بفعل عامل الزمن والسنين.. ليس إلا!! وبحيث يهوي المواطن الخليجي.. من قمة المؤتمر.. قبل بنوده.. وبرامجه الختامية!!

الطليعة 1995/12/13

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى