الأرشيف

.. ونحن بعد “”وياهم”””

[جريدة القبس 28/1/2001]

من الملاحظ أن قضية المخدرات قد أصبحت في صلب اهتمامنا كأسر وأفراد ومؤسسات، بحيث سادت وسيطرت على أحاديثنا وكتاباتنا وتصدرت كل أعمالنا الإذاعية والتلفزيونية.
فلم يخل أي من تلك البرامج والتمثيليات من مدمن أو تاجر مخدرات أو شبكة لترويج المخدر ونشره بين أفراد المجتمع، ففي ندوة أقامتها جمعية الخريجين بالتعاون مع قائمة الوسط الطلابي في ديسمبر الماضي بعنوان “المخدر هادم.. الأمل دائم”، أعلنت مجموعة من الإحصائيات عن واقع المخدرات في المجتمع الكويتي، وقد أثارت تلك الأرقام الخوف والهلع في نفوس الكثيرين تقول بعض تلك الأرقام إن هنالك عشرين ألف متعاطي مخدرات في الكويت، غالبيتهم من الشباب، وإن خمسين شخصاً قد لقوا حتفهم بسبب تعاطيهم المخدرات، بالإضافة إلى نحو أكثر من 150 شخصاً متهماً في قضايا المخدرات، كما يبلغ حجم الاتجار فيها عالمياً 400 بليون دولار.
أمام أرقام مخيفة كهذه، وأمام سيطرة رهيبة لتجارة المخدرات في عالمنا اليوم، نتساءل عن جهودنا لمحاصرة هذا الخطر القاتل، وعن جدوى مشاريع، كالمشروع الإعلامي الوطني للوقاية من المخدرات “غراس”؟!
بداية، علينا أن نتذكر أن الكويت قد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في عدد المتعاطين والمدمنين وصرعى الجرعات الزائدة، وذلك في السنوات العشر الماضية، أي منذ كارثة غزو النظام العراقي وهو أمر طبيعي حدث في مجتمعات أخرى كثيرة مرت بما مرت به الكويت إبان الغزو وما أعقبه، فمن البديهي والمتوقع أن ترتفع نسبة الجرائم والمخدرات في أعقاب الحروب والكوارث السياسية والاقتصادية، ولا نستثني من ذلك الغزو والحرب اللذين مرت بهما الكويت دولة وشعباً.
إذن، هنالك أسباب وراء تفشي المخدرات في أي مجتمع كان، والقضاء على تلك الآفة أو محاصرتها تكون بالعودة أولاً إلى تلك المسببات، وهنا تكمن مشكلتنا، فنحن نعتمد في التعامل مع كارثة كهذه على مقاييس وتقديرات الآخرين الذين يخضعون لظروف مختلفة عن تلك التي نخضع لها، فليس صحيحاً، وكما يؤكد مشروع “غراس”، إن السبب الرئيس للتعاطي والاتجار بالمخدرات هو غياب الرقابة الأسرية وإهمال الأسرة لأبنائها بل لا نبالغ إذا قلنا إن العلاقة معكوسة هنا، فلقد أدى انتشار المخدرات إدماناً وتجارة إلى العديد من المظاهر السلبية التي انعكست بصورة خاصة على منظومة الأسرة والعائلة، فارتفعت نسبة الطلاق بصورة مخيفة، وازداد انحراف الأحداث، وصعد مؤشر الجريمة والعنف إلى أعلى مستوى.
وانطلاقاً من ذلك، يكون مشروع “غراس” مشروعاً ضعيفاً وعاجزاً عن التصدي لكارثة المخدرات لأنه يبدأ من النهاية.
إن للمخدرات إمبراطوريات قوية وشرسة تمتد شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، وهي تملك نفوذاً يستطيع أن يخترق كل الحدود الجغرافية والسياسية لذا، فإن التعامل مع هذه القضية يشترط تعاوناً بين الدول والمجتمعات وتبادلاً للمعلومات، خاصة ما يتعلق منها بشبكات ترويج المخدرات وأساليبها وخطوط نشاطها، ومن هنا فقد أصبح علينا في الكويت أن نؤسس اتفاقيات مع الدول المجاورة تهدف إلى قطع الطريق على إمبراطوريات المخدرات ومحاصرتها، خاصة إذا أدركنا أن دولة كأفغانستان تنتج ما يعادل ٪80 من إجمالي المخدرات في العالم، التي يتم تسويقها إلينا من خلال إيران وباكستان.
المؤسف إذن في قضية المخدرات، أنها كقضية وكمشكلة وكارثة تأتي أكبر حجماً وأكثر نفوذاً من مشروعنا الوطني “غراس” الذي تحول إلى لجنة لتهذيب أولياء الأمر وإرشادهم لأفضل الأساليب في التعامل مع الأبناء، فلا يكفي أن نكون “وياهم” وإنما “ويا” الذين يملكون النفوذ والقوة لمحاصرة تجارة وتجار المخدرات وتحجيم سيطرتهم وحركتهم.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى