
لا شك أن الانقسام، الذي شهده الموقف العربي تجاه غزو النظام العراقي للوطن في الثاني من أغسطس عام 90، ساهم وبصورة مباشرة في مضاعفة خطورة التداعيات التي أعقبت الغزو، بما فيها الحرب شبه العالمية.
ولعلّ المدخل الأساسي الذي أكسب مأساة الغزو تلك الصفة العالمية، يكمن في تراجع، إن لم يكن اختفاء، موقف عربي واضح وصريح حينها. وهو أمر أدى إلى دفع الكرة في المرمى الدولي، وكما شهدنا من تعامل دولي مع المأساة وما أعقبها من تداعيات.
اليوم ومع الإصرار العراقي الجديد على عدم التعاون مع المراقبين الدوليين من لجنة الأمم المتحدة الخاصة بإزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية. ترتفع أصوات كثيرة محذرة ومنذرة من انقسام وشيك للمجتمع الدولي الذي تناول القضية منذ بدايتها وتفجرها. أما مخاوف الانقسام هذه فهي بلا شك ناجمة عن الخلافات في الرأي في مجلس الأمن الدولي أخيراً، وذلك خلال عملية التصويت على قرار يهدد بفرض عقوبات جديدة على بغداد، تقضي بمنع جميع المسؤولين العراقيين وأفراد القوات العراقية المسلحة المسؤولين، عند تعطيل أنشطة اللجنة الخاصة بنزع أسلحة الدمار العراقية من السفر خارج الأراضي إلا بإذن مسبق يصدر عن لجنة العقوبات على العراق!!
فعلى الرغم من النفي الذي صدر عن “ريتشارد بتلر” رئيس اللجنة الخاصة المكلفة إزالة الأسلحة العراقية، بوجود انقسام في الرأي الدولي تجاه المزيد من العقوبات، إلا أن امتناع خمس دول عن التصويت منها ثلاث دول دائمة العضوية، وهي: الصين، وفرنسا، وروسيا، يؤكد أن مجلس الأمن لم يكن موحداً في قراره الأخير بشأن العقوبات على العراق!!
وعلى الرغم من المخاوف الواضحة من أن يؤدي انقسام الموقف الدولي إلى تقوية النظام العراقي، إلا أن المخاوف الحقيقية هنا هي في اختفاء الموقف العربي إزاء التطورات الأخيرة، وبصورة أصبحت مخجلة ومحرجة في آن واحد. خاصة وأن التداعيات التي أفرزها الغزو، شملت وبصورة مباشرة الشأن العربي بوجه عام، سواء من خلال الشرخ الكبير الذي أحدثته عملية الغزو وتداعياتها في العلاقات العربية – العربية، أو من خلال برامج التسوية المرتجلة للقضية العربية الإسرائيلية!!
وإذا كان الموقف العربي تجاه الغزو كان مشروخاً، ومنقسماً فإن الموقف العربي الآن تجاه المستجدات التي عصفت بالمنطقة وتجاه قرارات الأمم المتحدة جاء صامتاً وسلبياً كما لو أن الأمر لا يعنيه بأي صورة كانت قريبة أم بعيدة!!
صحيح أن المجتمع الدولي بادر بأخذ زمام القضية ومنذ تفجرها في الثاني من أغسطس 1990. إلا أن ذلك لا يعني أن الموقف العربي بلا موقف وبلا رأي أو قول.
لقد بات على العرب أن يبدأوا في صياغة دورهم وموقفهم في العقوبات المفروضة على العراق وفي التعنت العراقي المستمر والممتنع عن التعاون مع لجان الأمم المتحدة. وأن تنتهز الجامعة العربية خاصة فرص كهذه لإعادة بعض من دورها المفقود. وأن تكون المبادرة في مناشدة العراق بوجوب التعاون مع اللجان الدولية.
بمعنى آخر على العرب أن يبادروا إلى الخروج من هذه السلبية المطلقة تجاه قضاياهم، وأن يقللوا من اتكائهم المطلق على الأداء الدولي، وأن تصدر التصريحات أياً كانت باللغة وبالروح العربية، ليعود العرب على ضوئها إلى خارطة العالم السياسية!!
القرار العربي مفقود والتصريح العربي صامت، لأن الانقسام العربي مطلوب. وخاصة ذلك الانقسام حول الموقف من العراق، والذي أصبح الأداة الوحيدة في سبيل تبرير كل الخلافات والاختلافات العربية التاريخية والمتجذرة. وكأنما المناخ السياسي العربي قبل الغزو كان مناخاً مثالياً منسجماً، والتعاون العربي – العربي كان في أوجه إلى ما قبل كارثة الغزو، التي قسمت القرار العربي والرأي العربي بالصورة التي أصبحنا نشهدها اليوم.
الانقسام العربي سيبقى قائماً لأن الجميع يريد له ذلك ولأن الجميع يتغذى من ذلك الانقسام.
وإن كان للنظام العراقي حصة الأسد فيه. فاستمراره وبقاؤه قوياً معافى على الرغم من كل ما أصابه من كوارث وعقوبات، هو بلا شك مرهون ببقاء الانقسام العربي واستمراره.
إن تذمر العرب واستياءهم من مزاجية المجتمع الدولي، ومن احتمالات التغيير المفاجئ في مواقفه سواء من حيث انقسامه حول العقوبات على النظام العراقي، أو من حيث تطرفه الواضح في الإذعان للشروط الإسرائيلية وتحيزه المستمر للصالح الإسرائيلي في إدارة الحوار العربي – الإسرائيلي. هو تذمر لا يحق للعرب التعبير عنه لأنهم أنفسهم قد تنازلوا عن ذلك الحق من خلال سلبيتهم تجاه قضاياهم وإذعانهم المطلق للتصريحات والقرارات الدولية بصورة أفقدتهم أدنى درجات الحضور السياسي على خريطة العالم السياسية.
والحضور السياسي العربي المطلوب لا يعني بالضرورة اصطداماً أو تناقضاً مع الموقف الدولي، بقدر ما هو تواجد في المحافل الدولية وتذكير بحصتهم في كل ما يجري من ترتيبات وقرارات تمس المنطقة العربية!!
