شئون عربية

وعجز العرب عن الجهاد الأكبر!!

وعجز العرب عن الجهاد الأكبر!!

ندد المؤتمر القومي العربي في اجتماعه الخامس الذي عقد في بيروت في الفترة من 9 إلى 11 مايو 1994.. ندد بإعلان انفصال الشطر الجنوبي من اليمن.. مشيراً في بيانه إلى أن “كل عمل انفصالي.. أياً تكن مبرراته إنما يصب مباشرة في استراتيجية أعداء الأمة التي تتركز في هذه المرحلة بالتقسيم والتفتيت والتمزيق.. وبالتالي فإن الواجب الوطني والقومي يقتضي مقاومة هذا العمل وإسقاط كل المبررات والذرائع التي يحاول الاختباء وراءها”.
من دون أدنى شك إن ما يحدث الآن في اليمن.. هو خسارة على المستوى البشري أولاً.. وقبل أن تكون خسارة على المستوى الفكري أو الأيديولوجي.. وأي حديث وجدل عن الوحدة الآن.. وعن وجوب الحفاظ على مكتسباتها.. والتنديد بعملية الانفصال.. هو بلا شك تجاهل لآلاف مؤلفة من الأرواح تزهق يومياً.. فالقضية الآن ليست قضية وحدة.. وإنما هي قضية حرب تتصاعد ويتأجج آتونها في كل يوم.. وقتل يدفع ثمنه الأبرياء من كل اليمنيين!! خاصة وأن سماسرة السلاح في العالم قد بدؤوا يتهافتون بعد أن فتح السوق اليمني أبوابه.. فهي فرصة مثلاً لأوكرانيا التي بدأت في شحن السلاح لليمن.. للتخلص والخروج من ضائقتها المالية الشديدة، وهناك الكثيرون غير أوكرانيا ممن يجدون في مصائب الغير.. مخارج لهم من أزماتهم!!
من الملاحظ أن بيان المؤتمر القومي العربي لم يخرج.. عن القاعدة العربية.. في التعامل والتفاعل مع الأزمات السياسية العربية.. فأعداء الأمة.. والاستعمار.. هما دائماً وراء ما نعانيه من أزمات سياسية وعسكرية.. والهزائم التي لاحقتنا دوماً.. كنا فيها ضحايا (خدع) سياسية وعسكرية يحيكها دائماً أعوان الاستعمار!!
يثير بيان المؤتمر القومي العربي ولا شك.. تساؤلات ملحة حول أسباب العجز العربي سواء على مستوى الأنظمة والحكومات.. أو على مستوى الأحزاب والتكتلات والتجمعات السياسية.. العجز عن العمل والأداء السياسي بوجه عام!! فالعمل السياسي هو دائماً انقلاب ببيان يتيم.. أو ثورة حتى النصر.. أو تصدٍ لأعداء الأمة!! وبحيث انعكس هذا المفهوم الخاطئ على الفرد العربي.. والذي أصبح يرى أن العمل السياسي هو قصر على المنظرين المحترفين والعسكر فقط!! على الرغم أن من أهم جوانب العمل السياسي.. ما يشرف عليها هذا الفرد بنفسه.. من خلال أدائه الوظيفي اليومي.. وإدارته وإنجازه للأمور والقضايا اليومية.. من تعليم وتطبيب.. وإنجاز معاملات.. وتنظيف.. وتنظيم لعلاقات اجتماعية كالزواج.. والإنجاب.. وتكوين الأسرة.
وبسبب المفهوم العربي المحدود والضيق للعمل السياسي فقد جاء التاريخ العربي الحديث.. ومنذ حركات التحرر في أعقاب الحرب الثانية.. كسلسلة طويلة متواصلة من الانقلابات والاغتيالات والبيانات الثورية العنيفة!! خضع فيها المواطن العربي لأشكال مختلفة من الحكومات، منها ما يتبنى الفكر القومي.. منها ما هو أصولي.. ومنها الديمقراطي.. والليبرالي.. ومنها ما هو سلطوي عسكري!! إلا أن الأداء السياسي لتلك الحكومات على اختلاف فكرها.. كان واحداً من حيث تأثيره على حاضر ومستقبل الفرد العربي عموماً!! وإن كان هناك اختلاف بين بلد وآخر.. فإنه اختلاف نسبي.. لا جذري.. تفرضه ظروف اقتصادية أو جغرافية لدول عربية دون أخرى!!
العمل السياسي في العالم العربي.. هو دائماً انقلاب أو اغتيال أو عنف.. ومؤخراً (اعتكاف)!! وذلك ولا شك أيسر الأمور فيما يخص العمل السياسي.. فطبيعة الحال أنه من السهل جداً أن أقود جيشاً في حركة انقلابية تتصدر عناوين الصحف والأخبار العالمية.. ولكن من الصعب جداً أن أدير الحياة اليومية.. والمجتمع البشري.. فتجييش الجيش عملية فنية بحتة.. مقارنة بتنمية شعب وتأمين مستقبل أمة!! ولقد قالها رسولنا الأكرم c من قبل.. حين عرف القتال بالجهاد الأصغر.. مقارنة بجهاد النفس في تعاملها وعملها للصالح البشري.. والذي وصفه بالجهاد الأكبر.
ومن يتتبع سير الأمور الآن في دولة غزة وأريحا والقلق الذي يبديه العالم الذي ساهم في إقامة الدولة.. من عجز (الثورة الفلسطينية) عن التحول إلى حكومة تدير اقتصاداً وتعليماً.. وأمناً.. وحياة اجتماعية.. كما أدارت حروبها وعملياتها العسكرية.. يدرك صعوبة العمل السياسي الحقيقي.. الذي ليس بثورة ولا انقلاب ولا اغتيال!
وانطلاقاً من هذا الفهم.. فقد كان جديراً بالمؤتمر القومي العربي.. وغيره ممن يحملون لواء الوطنية.. وينادون بحقوق الفرد العربي.. أن ينادوا بحق الفرد اليمني أولاً في حياة ومجتمع.. لا تهدده النزاعات السياسية المتسلحة بجيوش وميليشيات.. وأن يطالبوا بحق الفرد اليمني في التمتع حقاً بديمقراطيته.. وأن يكون له الحق الأول في الفصل والقول بشأن الوحدة.. كما الحرب.. وأن يشجبوا هدر الدماء اليمنية.. قبل شجب “استراتيجية أعداء الأمة” خاصة وأن “أعداء الأمة”.. وكما نعلم جميعاً.. قد غادروا اليمن.. وجاوز خروجهم منها.. ما يزيد على الثلاثة عقود!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى