وطني النهار

للأغاني الوطنية دور مهم في تعزيز المشاعر الوطنية خاصة في أوقات الأزمات والمحن، ولعلنا جميعاً نتذكر جيداً أغنية “وطني حبيبي” التي لم تتوقف الأجهزة الإعلامية عن بثها، وذلك في أثناء الحرب الأخيرة التي أسقطت نظام البعث الجائر، كما أن الجميع لم يمل متابعتها وترديدها بحماس واعتزاز! وقبلها كانت رائعة عبدالكريم عبدالقادر “وطن النهار” التي كانت بمنزلة ترنيمة التحرير، وموسيقى الانعتاق من طوق الظلم والعنف الجائر!
لقد شكلت الموسيقى والأغاني الوطنية جانباً مهماً في كل الحروب والمعارك عبر التاريخ البشري، وحيث كانت الفرق الموسيقية ترافق أرتال الجيوش، تزرع الحماس، وتشد من عزيمة الجنود، وذلك قبل أن يبدأ عصر المذياع والإرسال الإذاعي والمرئي، الذي حل محل تلك الفرق التي عادة ما ترابط مع فلول المحاربين، وترافقهم في كل معاركهم وحروبهم!
أما أشهر الأمثلة العربية في هذا المجال، فقد جاءت في التجربة المصرية في أعقاب ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، حيث ازدحمت الساحة الفنية والغنائية في مصر بالأغاني الوطنية التي تبث الحماس في قلوب المواطنين، فيما أصبح يعرف بظاهرة الغناء السياسي، والتي كان من أشهر رموزها على الإطلاق، الفنان عبدالحليم حافظ الذي استحق وعن جدارة آنذاك لقب “مطرب الثورة”! وحيث شهدت أغانيه الوطنية انتشاراً واسعاً، ليس في مصر وحدها، وإنما في كافة أرجاء العالم العربي!
لم تكن الأغنية الوطنية تحوي أسماء لزعامات أو قادة! بل حتى في مصر، التي تعتبر رائدة في الأغاني الوطنية، فإن أحداً لم يسمع بأغنية تتغنى بمصطفى كامل على سبيل المثال، أو بسعد زغلول، أو غيرهما من زعامات تلك الحقبة! لكن ثورة “يوليو” أضافت أسلوباً جديداً للأغنية الوطنية، حيث أصبح اسم الزعيم جمال عبدالناصر يتردد في أكثر من أغنية! ولم يثر ذلك حفيظة أو نقد أحد، لا في مصر ولا في العالم العربي! وربما كان ذلك لما تمتع به الرئيس الراحل جمال عبدالناصر من شعبية واسعة وقبول كبير لدى غالبية أبناء العالم العربي!
الآن، لا تزال الأغنية الوطنية رائجة ومنتشرة في عالمنا العربي! لكنها أصبحت مرتبطة وبشكل كبير بالأسماء، أكثر من ارتباطها بالأحداث! وبصورة مبالغ فيها في أحيان كثيرة! وهو أمر أدى إلى تراجع أثرها على المواطن، الذي بقي يبحث عن الأزمات، عما يشحذ همته، من أغانٍ تمجد الوطن، والتراب، دون تأليه مبالغ فيه لأفراد مهما بلغ حجمهم! فكان أن خلد وردد أغاني مثل “وطني النهار” و”وطني حبيبي”.
