.. وصمت الشعراء!

.. وصمت الشعراء!
لعلنا كثيراً ما نتندر فيما بيننا عن بعض المفردات اللغوية التي ينفرد باستخدامها بعض المثقفين.. سواء في هذا الوطن.. أو في غيره من أقطار عالمنا العربي. ولغة المثقفين ليست هي وحدها العلامة الفارقة التي تميزهم.. أو التي يريدون بها أن يتميزوا عن سائر المواطنين، فالمثقف في عالمنا العربي أصبح يرى أن فكره وقدراته تخوله بأن يكون فوق الطبقات الأخرى في مجتمعه وبأنه قوة مستقلة بذاتها.. وكيان لا بد أن يكون له ما يميزه عن باقي أفراد المجتمع، قد لا تكون تلك الصورة هي القاعدة لمثقفي العالم العربي.. إلا أنها وللأسف صورة أصبحت تضم في إطارها غالبية مثقفي الأمة.. فإذا ما أدركنا ما للمثقف من دور في مجتمعه.. والذي نلمس له بصمات واضحة في كل حضارات الأرض.. نستطيع ودون إجحاف أن نُحَمِلْ مثقفي هذا العصر جزءاً كبيراً من مسؤولية الرداءة التي أصبحت سمته الغالبة.
تلك كانت مقدمة لما لمسته من حال مثقفينا.. وبعد أن جمعتني ببعض الأسماء اللامعة.. جلسة حوار.. هالني فيها ذلك الكم من السلبية التي أصبحت الصفة الطاغية بين تلك الفئة من المواطنين.
فقسم منهم اعتزل حياة العمل والإنتاج.. وتعامل مع سلبيات مجتمعه بالتغرب عنه والامتناع عن المشاركة فيه.. كأسلوب احتجاج على ما آل إليه المجتمع من أوضاع محبطة وقسم آخر يرى أن ذروة العطاء بالنسبة له هي في مهمة التنظير للمجتمع دون المشاركة في التطبيق.. وإطلاق الشعارات الرنانة دون محاولة اقتحام الواقع وفرض الحلول..
قد لا نختلف مع المثقف العربي أن زمننا هذا أصبح على قدر من الرداءة والسوء بما يغري بالامتناع عن الإسهام فيه.. والعمل على هجره ونبذه بانتظار زمن يكون أكثر يقيناً وأوضح مساراً، لكن الحضارات لا تبنيها إلا التراكمات الرديئة منها والحسنة.. وبناؤها لا يكون بحرق مراحلها السيئة.. وإنما بتجاوزها بالإرادة والتصميم.. وهنا تأتي مهمة المثقف وتصميمه على تشكيل قوة تغيير قادرة على إعادة صياغة المجتمع بالصورة الأفضل.
حتى لا يكون حديثنا عن المثقفين حديثاً عاماً.. سنختص باللوم مثقفي هذا الوطن.. والذي له نصيبه من الرداءة كسائر أقطار الوطن العربي.
ولم يأت أسلوب مثقفي الوطن في التعامل مع الرداءة السائدة بصورة تسهم في تقويمها وتحسينها. فاعتزل بعضهم جانباً.. معبراً عن يأسه من التعامل مع مشاكل الوطن وقضاياه.. أما البعض الآخر فقد رأى الاستسلام للوضع القائم والتسليم بالأمر الواقع.. وتقديم التنازلات تعبيراً عن استحالة إصلاح الوضع القائم.. وفي هذا البعض تكمن الخطورة.. أي حين يصبح المثقف بوقاً منادياً بالاستسلام والإذعان لمعطيات المرحلة السيئة.. مؤكداً بذلك صعوبة تجاوزها وإخضاعها.. وليس من دليل على ذلك.. أسلوب مثقفينا في التعامل مع كارثة الاستثمارات.. وبحيث طغت أرقامها الفلكية على محاولة تشخيص الكارثة للحد من تكرارها.. وتبرير السرقة إلى حد ما بتأكيد استحالة إقرار عقوبة معينة بشأنها.
إن القضايا والمشاكل التي تعبر سماء الوطن ليست حالات طبيعية وبالتالي فهي ليست ثابتة ودائمة.. ومعالجتها تتطلب أولاً إعطاءها صفات معينة.. وتسميات واضحة حتى يتعين مواجهتها.. وقضايا الوطن سواء كانت تعدياً على المال العام وكما هو الحال في سرقة الاستثمارات.. أو استهتاراً بأمن المواطن وكما جاء في تقصير مسؤولي الأمن إبان الغزو.. ما هي إلا قضايا تعكس الواقع العام الذي يتعين إصلاحه.. وهو التفرد بالرأي في حالة الاستثمارات.. وسوء الإدارة وما نتج عنه في كارثة الغزو.. فقضايا الوطن هي بحاجة إلى من يمسك بمنظاره ليساعد على رؤية ما هو بعيد ودقيق.. وبالتالي ما هو أساسي يقتضي إصلاحاً جذرياً في أي قضية أو معضلة نواجهها. هنا يأتي دور مثقفي الوطن في خلق قاعدة عريضة لحوار واسع وشامل داخل المجتمع.. يتم خلاله استيعاب الوضع الذي نعيشه بتفاصيله الدقيقة حتى نتمكن من طرح كل القضايا وحلها جذرياً من خلال الوعي بالوضع القائم.. وحتى لا تكون الحلول آنية.
فالكاتب والأديب.. والشاعر.. والموسيقي.. والمسرحي.. كل هؤلاء ظواهر اجتماعية وليست فردية.. وهم بذلك ملك للمجتمع لا لأنفسهم.. وإنجازاتهم لها مردودها المجتمعي لا الفردي.. وهم بذلك ظواهر تصوغها المجتمعات لتكون نماذج يقتدى بها.. ومُثلاً علياً يحتذى بها.. ونظراً لما يلعبه هؤلاء من أدوار هامة في مجتمعاتهم.. ولما يملكونه من تأثير على فئات المجتمع.. فإن سقوطهم أو تعثرهم فيه سقوط المجتمع ومُثله.. لذلك كان استدراجهم من قبل بعض الأنظمة السياسية لما يملكونه من قوة تأثير، بل وارتكاز شرعية بعض تلك الأنظمة على التبريرات التي تقدمها تلك الفئة من المجتمع ولنا في واقع النظام السياسي في العراق أكبر دليل على ذلك.. وهو نظام استطاع أن يخلق مناخاً من القبول بل ومن البطولة في أحيان كثيرة لدى شريحة كبيرة من مواطني الوطن العربي.. بفضل عثرات وسقطات أولئك المثقفين الذين احترفوا مبادئهم وقيمهم.. والذين استطاع الكاتب المسرحي (بريخت) أن يترجم واقعهم السيء حين قال في إحدى مسرحياته “لأن سقوط نملة من فوق ناطحة سحاب لا يقتلها أو حتى يصيبها بكسر أو جرح.. ولكن سقوط جواد من الطابق الثاني فقط يقتله” ومثل هؤلاء المثقفين.. ممن أنشدوا للسلاطين.. وصاغوا كلاماً منمقاً تابعاً من رغبات ذاتية شرهة.. هؤلاء جميعاً سقطوا حين أصبحوا جزءاً من الإعلام.. لا ثقافة تساهم في بناء وإرساء المجتمع.. وحين تخلوا عن قناعاتهم واستسلموا للخوف أو للإغراء.. مساهمين بذلك في الإبقاء على التخلف، والرداءة.
لا نقول أن المثقف أو الشاعر.. أو الفنان أو الأديب يملك وصفة سحرية تقضي على رداءة الزمن.. وتأتي بالزمن الجميل.. ولكن مسؤوليتهم تبقى في التحلي بالنزاهة والموضوعية والجرأة في التعرض لقضايا الوطن.
كما ولا ندعي أن للمثقف قدرة تفوق البشر على تجاوز القنوط وعدم الاستسلام لليأس، ولكن عليه ألا يبرر عجزه عن الإصلاح بالاستسلام والتبرير.. والتمتع بهبات ومزايا المنصب.. مساهماً بذلك في الإبقاء على الرداءة والسوء.. ومعبراً عن رأي (بريخت) كما أوجزه في إحدى قصائده: “إنهم لن يقولوا: كانت الأزمنة رديئة، وإنما سيقولون: لماذا صمت الشعراء”؟!”.
