وزير الإعلام.. بين الخطأ والخطيئة

وزير الإعلام.. بين الخطأ والخطيئة
ما أن هدأت العاصفة التي أثارها تمرد النظام العراقي الأخير على قرارات الأمم المتحدة حتى عادت من جديد عاصفة الأخوان ضد وزير الإعلام، والتي لا تقل افتعالاً عن الافتعال العراقي المتكرر في إثارة الأزمات مع قوات التفتيش الدولي!
في حديث جانبي مع زميلة نشطة في إحدى الجمعيات الدينية، قالت الزميلة في تعليقها على قضية استجواب وزير الإعلام، أنها وكغيرها من زملائها وزميلاتها تؤيد وبشدة استجواب الوزير، ليس بسبب قضية الكتب الممنوعة وحسب، وإنما لأسباب تتعلق بالأداء الإعلامي بشكل عام، وللتدهور (الأخلاقي) الذي أصبح يعاني منه جهاز التلفزيون خاصة!! وللتقصير الملحوظ في تشجيع البرامج الدينية، وبرامج الوعظ التي تهتم بالتنشئة الإسلامية، والحث على التمسك بالدين والعقيدة!
رأي الزميلة هذا، والذي يتفق مع رأي أعداد كبيرة من أقطاب ورواد الجمعيات الدينية، لا شك يدحضه ذلك الالتزام بالأخلاق وبالعادات والتقاليد الذي لا تخطئه عين المتابع لبرامج التلفزيون بشكل خاص!! فجميعنا متابعون للبرامج التلفزيونية، ولا أتصور أن أحداً منا قد أحس بأن هنالك ما يخدش الحياء في أداء تلفزيون الكويت، أو ما يمس الأخلاق والعقيدة في ما يقدمه من برامج!! كما أن أداء التلفزيون قد شهد تحسناً ملحوظاً في الفترة التي أعقبت تحرير الوطن!! أما رأي الزميلة بخصوص التقصير الإعلامي في الحث على التمسك بالدين، وبث البرامج الدينية، فذلك ما يناقضه الواقع، حيث يزخر البث التلفزيوني خاصة بالعديد من البرامج الدينية، وبرامج الوعظ والتوعية!! والتي كان ولا يزال لأقطاب الإسلام السياسي في هذا الوطن حصة كبيرة منها!! حتى لقد أصبح التلفزيون مؤخراً منبراً للعديد من الأحزاب غير المعلنة والتجمعات الدينية، والتي لا يخفي على أحد طابعها وغلافها السياسي البحت!! وهو أمر لا يملكه أصحاب الفكر الآخر ممن لا يملكون الفرصة ذاتها ولا المجال ذاته لطرح آرائهم وفكرهم!!
وعلى الرغم من أن استجواب وزير الإعلام من قبل أقطاب الإسلام السياسي يأتي مغلفاً (بخطيئة) الوزير في السماح لتلك الكتب بالدخول والتداول!! إلا أن المواطن بلا شك مدرك جيداً لطموح الإسلام السياسي في السيطرة على الجهاز الإعلامي، وعلى كل منابر الفكر والثقافة والإبداع!! وعلى رأسها المجلس الوطني للثقافة والفنون، حجتهم في ذلك أن تلك النوافذ الإعلامية مقصرة في خدمتها للدين وللعقيدة، ومشجعة على الانحلال الخلقي، والتفسخ الأخلاقي!! إن سقوط الجهاز الإعلامي في قبضة أقطاب الإسلام السياسي، يعني مباشرة سقوطاً لآلة الإبداع والفكر الخلاق!! لأن الانحلال الخلقي عند هؤلاء يشمل كل شيء فالأغنية انحلال، والموسيقى فساد، والمسرح خروج عن الدين، والسينما، ملجأ الفاسدين!! ولا شيء يحفظ من ذلك “الانحلال” سوى الانغلاق عن منابع الفساد من حولنا!! غير أن “طموح الانغلاق” هذا، قد أصبح مستحيلاً في زمن الانصهار البشري الذي فرضته آلة الإعلام من حولنا!! والتي خلقت فكراً كونياً واحداً، وذوقاً كونياً واحداً.
إن أحلام مقدمي الاستجواب هي ولا شك أبعد وأكبر من مجرد محاسبة وزير الإعلام عن مسؤوليته في السماح لتلك الكتب الممنوعة وطموحاتهم أعقد من ذلك بكثير، فهي طموحات بالسيطرة على العقول جميعها والحجر على كل ما يرد إليها وما يخرج عنها من فكر!! ولو كان قصد شيوخنا الأفاضل حقاً الدفاع عن الدين والعقيدة، لكان بإمكانهم التسلح بسلاح الحجة في توضيح ما قد يكون فيه إهانة للإسلام، وفي الرد على أعداء الدين من الدين نفسه، وما أكثر الحجج والبراهين في القرآن وفي كتب السيرة، وأحاديث الرسول c لكل من يملك النية الصادقة والهدف الواضح النقي من كل شوائب السياسة والمال!! لكن ذلك أمر شاقُ، ودرب يتطلب التزاماً ويشترط أداءً صادقاً وجهداً جهيداً!! واختصاراً لذلك الطريق فقد رأى شيوخنا الأجلاء إثارة “الخطيئة” الإعلامية والهتاف تارة، والونين تارة أخرى، بدلاً من الجلوس في حضرة الكتب والمراجع الإسلامية، والاستعانة بها لما قد يكون خافياً على أولئك الذين هاجموا الدين والعقيدة وأساؤوا لهما!! والعمل على تقويم خطأ غير متعمد بدلاً من الإصرار على “خطيئة” هي في قاموسهم، بلا غفران!!
