
خرجت في الآونة الاخيرة جملة من القوانين والمقترحات، بعضها مطروح للنقاش والبحث، والبعض الآخر بهدف التطبيق الفوري والعاجل، والهدف من وراء كل تلك القوانين، كما يصر على ذلك المسؤولون والقائمون عليها، هو خدمة المواطن الكويتي، والارتقاء بالكويت دولة ومؤسسات.
ومن ضمن تلك القوانين، قانون دعم العمالة الوطنية، وقانون الضمان الصحي، ثم القانون الضريبي المقترح مؤخراً.
القوانين، في أي مجتمع كان، تصدر لتحديث أوضاع محددة ومعينة، أو لتصحيح وتغيير أوضاع قائمة وواقعة، وهو أمر لا ينطبق على أي من قوانيننا الصادرة مؤخراً، أو المزمع صدورها لاحقاً، فقانون دعم العمالة الوطنية مثلاً، لن يوفر وظائف للمواطنين، ولن يخفف من هذا العبء على الدولة والحكومة، بل سيعمل على ترحيل مشاكل الدولة الإدارية وبيروقراطيتها إلى القطاع الخاص وسيؤدي حتماً بسبب تبعاته المالية إلى تدهور في مستوى العمالة الوافدة ونوعيتها، أما قانون الضمان الصحي، فإنه سيؤدي حتماً إلى انعكاسات سلبية على نوعية القادمين للعمل في هذا الوطن وعلى درجة كفاءتهم وطبيعة تخصصاتهم.
من المفترض في الجهات المعنية أن تضع في الاعتبار كل الظروف والعوامل ذات العلاقة، قبل أن تصوغ قوانينها الضريبية أو رسومها المالية، وأن تدرك أن حاجة الوطن لاستخدام العمالة غير الوطنية بكافة تخصصاتها ودرجاتها الوظيفية لا تزال طاغية ومسيطرة، وأن لا أمل قريباً في التخلي عن تلك العمالة أو إبدالها بعمالة وطنية، لذا، فإن قوانين الرسوم والضرائب لن تؤدي إلى إلغاء حاجتنا لتلك العمالة، وإنما بكل تأكيد إلى تدنٍ في مستوياتها خاصة مع استقطاع الـ٪2.5، والذي سيفرضه قانون دعم العمالة الوطنية.
يؤكد إقرار مثل هذه القوانين والرسوم أن الدولة بجهازها الرسمي تفتقد الخطة والدراسة الواجبة قبل العمل بمشاريع وقوانين حساسة وهامة، كالضرائب والرسوم، فالضمان الصحي الذي سيكلف الوافد ما يقارب مئتي دينار سنوياً، بالإضافة إلى مصاريف مراجعة المستوصفات، وتكاليف التعليم والسكن وغير ذلك من مصاريف ضرورية ورئيسية، ستؤدي حتماً إلى نزوح عدد كبير من تلك العمالة الوافدة، وهروبها إلى دول أخرى تتمتع بشروط أكثر منطقية وواقعية من شروطنا الحالية للإقامة والعمل، وهو نزوح لاشك في أنه سيربك العمل في قطاعات هامة كثيرة، وسيؤدي إلى تدني الأداء في قطاعات خدماتية أخرى، بالإضافة إلى أننا لم نستعد ولم نعد العمالة الوطنية القادرة على شغر بعض المهن والوظائف الفنية.
ولا نعلم إذا كانت الجهات المختصة قد قامت بالدراسات الوافية لرصد أثر تلك القوانين الضريبية على التركيبة السكانية بشكل عام، وهو أمر هام جداً خاصة بعد أن رأينا بعضاً من الانعكاسات السلبية لظاهرة النزوح القهري التي حدثت في أعقاب الغزو، والتي أدت إلى تفريغ بعض القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة من كفاءات وأيد عاملة جيدة وماهرة، لانزال نرصد ونلمس الآثار السلبية لغيابها، بالإضافة إلى ذلك الإرباك في التركيبة السكانية، الذي سببه ذلك النزوح المفاجئ، حتى أصبحنا في دولة يفوق عدد العزاب فيها كل توقع مع كل ما يعنيه ذلك وما يشكله من خطر اجتماعي وأمني.
ولا نعلم أيضاً كيف سيتم تحصيل وتوظيف الأموال المحصلة من تلك الضرائب والرسوم، ولا عن هوية الجهاز الذي سيقوم بهذه العملية، وكل ما نخشاه أن تدخل الخطة بأكملها نفق البيروقراطية الإدارية وأن يحتاج الأمر إلى وزارة للضرائب والرسوم ووزير وعشرة وكلاء مساعدين، وأن يستهلك تحصيل الرسوم والضرائب أضعاف ما قد توفره تلك الضرائب من دخل، فكل هذه الأسئلة مشروعة وقائمة لمشاريع تولدها الصدمة والمفاجأة، وليس الخطة والدراسة.
