الأرشيف

وزارة الصحة.. مشكلة بلا حل

[جريدة القبس 6/2/2000]

الذين قرأوا تصريح وزير الصحة الدكتور محمد الجارالله، الداعي إلى مشروع إلغاء صيدليات المراكز الصحية والمستوصفات، توقعوا أن يعقب هذا التصريح تبيان أو توضيح لما جاء فيه فبالإضافة إلى عنصري الغرابة والعشوائية اللذين صاحبا القرار، هنالك أيضاً جانب هام فيه يكمن في إصرار وزارة الصحة واستمرارها في إثارة مسألة “العبء المالي” كأول وأهم معوقات العمل فيها، والتركيز على هذا البند كسبب رئيسي وراء تدهور خدماتها ومستشفياتها.
وبحسب تصريح الوزير الجارالله، فإن الوزارة قد شكلت فريقاً ضخماً مهمته دراسة أبعاد هذا المشروع الذي يهدف إلى تقليل العبء المالي الثقيل الذي تتحمله الوزارة منذ نشأتها، من حيث جلب الأدوية والمعدات الطبية التابعة لها من خارج البلاد، إلى جانب العمالة الطبية التي تشرف على توزيع تلك الأدوية والمحافظة عليها.
وبحسب ما ورد في حديث الوزير، فإن الوزارة ستوفر أموالاً طائلة من هذا المشروع من حيث الاستغناء عن الصيادلة ومساعديهم وإلغاء عملية استيراد الأدوية والمعدات الطبية! كما ستضع هذه الخطة، وكما يقول الوزير، حداً لاختفاء وتسرب الأدوية!
للمرة المليون، نكرر، ويكرر الجميع معنا، إن أزمة وزارة الصحة ليست مالية وإنما إدارية بحتة، ونؤكد ويتفق معنا في ذلك الكثيرون، على أن “الأموال الطائلة” التي سيوفرها مشروع السيد الوزير سيلتهمها الفساد والفوضى الإدارية السائدة في وزارة الصحة، وذلك إن لم تذهب كلها لتغطية تكاليف ومصاريف “الفريق الضخم” الذي أعلن عنه وزير الصحة، والذي سيشكل لدراسة جدوى وفائدة هذا المشروع.
لا اعتراض إطلاقاً على محاولة تقنين التبذير في الأدوية أو في أيّ من خدمات وزارة الصحة، لكن الاعتراض هو في الأسلوب والخطة المتبعة، فالدكتور وزير الصحة يريد من وراء مشروعه هذا أن “يضع حداً لكل من تسول له نفسه العبث بأموال وأدوية وزارة الصحة” ـ على حد قوله ـ وأيضاً “أن يقضي على عملية اختفاء وتسرب الأدوية التي تعاني منها وزارة الصحة والتسيب الوظيفي في هذا القطاع”، وهي في مجملها أهداف سامية، لكن علاقتها بالميزانية وأعبائها، وبفريق “الإنقاذ” الضخم الذي سيشكله الوزير، تبدو كاللغز، خاصة في ظل المشاكل الحقيقية والمعلقة التي تئن تحتها وزارة الصحة بخدماتها ومستشفياتها وإداراتها، من دون أن يتبناها أحد كأولويات هامة وأساسية! وهو نهج عانت منه الوزارة في ظل كل من تعاقب عليها من وزراء وبلا استثناء، بل ولم يحدث أن أدت الزيادات المتتالية في ميزانية وزارة الصحة إلى تحجيم الفساد والفوضى الإدارية فيها، ولا إلى تحسين الأداء الوظيفي والفني في مستشفياتها، مما يجعلنا نتحفظ هنا على دعوة الوزير الحالي ومشروعه المطروح!
مشكلة وزارة الصحة أنها تفتقد الهدف البعيد والمحدد في خططها ومشاريعها، فالنظام البديل الذي اقترحه وزير الصحة لصرف الأدوية يدعو إلى إلغاء الصيدليات في المراكز الصحية والمستوصفات، على أن يلجأ المرضى إلى صيدليات القطاع الخاص لصرف أدويتهم وبتمويل من وزارة الصحة!
ولا نعلم هنا كيف سيؤدي هذا المشروع إلى “تقنين العبء المالي الثقيل” على الوزارة، ولا كيف سينظم العمالة الزائدة في الوزارة، خاصة إذا ما نحن حسبنا تكلفة وحجم الطاقم الوظيفي الذي سيحتاجه تنفيذ المشروع من محصلين ومنسقين ووسطاء، بالإضافة إلى ما قد يؤدي إليه ذلك من تلاعب وسمسرة وفوضى ستنعكس حتماً على نوع وكفاءة العلاج والدواء.
هنالك مشهد مؤسف في المستشفى الصدري يلخص طبيعة الخلل في هذه الوزارة العليلة، فالمستشفى الذي يعتبر من أقدم مستشفيات الكويت يعج بالفوضى التي طالت الأجنحة والغرف والطاقم التمريضي، والذي جعل من غرفة العناية المركزة في أحد الأجنحة مكاناً لتجمع الزوار والأطفال بالأطعمة والحاجيات الأخرى وسط صراخ الممرضات وعاملات النظافة، وفي مقابل هذا المشهد المؤسف تنشط الوزارة في تلبيس الممرات والأعمدة بالرخام اللامع الثمين! وهو مشهد يعكس ويلخص طبيعة العقلية التي تحكمت بوزارة الصحة على مدى خمسين عاماً وحكمت من خلالها، لتبقى وزارة الصحة دائماً المشكلة التي لم يحالفها الحل بعد!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى