الأرشيف

وزارة الحياة والموت

[جريدة القبس 3/11/1997]

**وزارة الصحة تعني الكثير للمواطن لأن علاقته فيها مباشرة ومستمرة من المهد إلى اللحد. ونظراً لما تغرق فيه من المشاكل والعجز، لذا كان تفاعل المواطنين مع تعيين الوزير الصبيح فيه الكثير من الشكوك في قدرة الوزير الجديد على انتشال الوزارة من مأزقها**
قد تكون الصدفة وحدها التي جعلت من التحقيق الذي نشرته “القبس” حول “الوزير سياسي أم إداري؟” يأتي متزامناً مع الإعلان عن تعيين الدكتور عادل الصبيح وزيراً للصحة.
غير أنها صدفة قد حملت معها رسالة بالغة الأهمية لمن يريد حقاً إصلاح مأزق وزارة الصحة، وانتشالها من ذلك التدهور المخيف والمقلق، خاصة وأن كل مساعي الإصلاح السابقة قد أكدت على أن الخلل هو في فلسفة التعيين لا في شخوصه وحسب.
فعلى الرغم من كل احترامنا لشخص الدكتور الصبيح، إلا أن ذلك لا يمنعنا من القول بأن مستنقع وزارة الصحة هو بلا شك أعمق وأكبر من إمكانات وزيرنا الشاب، وأن هموم وزارة الصحة الإدارية، وأخطبوط الفساد الإداري والتسيب المالي تتطلب باعاً طويلاً وممارسة محنكة في حسم قضايا إدارية كهذه، خاصة وأن للوزير الصبيح إخفاقات إدارية شهدتها ساحة جامعة الكويت مؤخراً تؤكد مسبقاً قدرات الوزير الجديد المحدودة فيما يتعلق بدبلوماسية الإدارة.
فلقد سبق وأن اصطدم الدكتور عادل الصبيح، نائب مديرة الجامعة لشؤون الأبحاث والدراسات العليا، بزملائه من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة وذلك أثناء انعقاد الندوة التي دعت إليها الجمعية العمومية لأعضاء هيئة التدريس، حيث كان الدكتور الصبيح يومها ممثلاً لمديرة الجامعة، عندما أثار استياء زملائه من المدرسين، بما أظهره من تعال واضح في التخاطب معهم، بالإضافة إلى عجزه عن الإجابة على كل ما طرحه أعضاء هيئة التدريس من أسئلة متعلقة بالكادر الجامعي حينها. فلم يكن الدكتور الصبيح، كما عبر أحد الأساتذة، زميلاً يخاطب زملاءه الأكاديميين، وعضواً كأي منهم باعتبار أن جمعية أعضاء هيئة التدريس تمثل جميع أعضاء التدريس بمن فيهم الدكتور الصبيح بل كان خطابه متعالياً أثار استياء الجميع، مما ضاعف من درجة إخفاقه في تقريب وجهات النظر بين الجمعية والإدارة الجامعية.
لا شك أن أحداً لا ينكر أهمية وزارة الصحة في أي بلد كان، كذلك لا ينكر أحد أن أي تدهور في أساليب العلاج أو مؤسساته يعني مباشرة تدهوراً في المجتمع والدولة بشكل عام. كما ومن المؤكد أننا في هذا الوطن لا نختلف إطلاقاً على أن الانحدار الذي تعاني منه وزارة الصحة، وخاصة في المرحلة التي أعقبت الغزو، قد أصبح مبعث قلق وخوف لدى المواطنين جميعاً وباختلاف تطلعاتهم وآرائهم.
ومن هنا، فقد كان تفاعل المواطن دائماً وبصورة لا تخلو من الحماس عند أي طارئ أو تغيير يتعلق بوزارة الصحة، بما في ذلك تعيين وزير أو استقالة آخر، لأسباب لا تتعلق بالتدهور المخيف الذي تشهده وزارة الصحة الآن وحسب وإنما ليقين المواطن بعلاقته المباشرة والمستمرة بهذه الوزارة وهي ليست علاقة مرحلية، وإنما علاقة تبدأ بصرخة الميلاد ولا تنتهي إلا بحشرجة الموت. ومن هنا، جاء تفاعل المواطنين جميعاً مع تعيين أستاذ الجامعة الأكاديمي، ليكون مسؤولاً عن انتشال وزارة الصحة والعلاج والتطبيب من سقوطها الوشيك وهو تفاعل لم يخل من شكوك، عبر عنها الكثير، حول مقدرة الدكتور الصبيح على التعامل مع المأزق الصحي الحرج.
وزارة الصحة، وكما يرى أهلها العارفون ببواطنها، تتفق مع تحقيق “القبس”الذي ذكرناه مسبقاً، على حاجتها وبالذات في المرحلة الحالية، إلى وزير سياسي وإداري في آن واحد وان كانت تتجاوز بطموحاتها تحقيق “القبس” فتراه وزيراً إدارياً سياسياً وفنياً، أي عالماً بلغة الطب واحتياجاته فاحتياجات الإصلاح في وزارة الصحة، وكما عبر عنها د. سند الفضالة في مقاله المنشور في “القبس” بتاريخ 29/10. تتطلب حساً طبياً لإقرارها واعتمادها. فإذا كان الجانب الإداري من الوزير يستطيع أن يفتي بحاجة أطباء المستوصفات لدورات تدريب منتظمة، كذلك إذا كان الجانب السياسي من الوزير يستطيع العمل على تشجيع وتفعيل القطاع الخاص ليساهم في الخدمة الصحية، فإن احتياجات الوزارة لأجهزة طبية معينة أو لأدوية محددة، أو لطرق وأساليب علاج حديثة، تحتاج، بل تشترط جانباً فنياً بحتاً من الوزير لإقرارها والإصرار عليها.
باختصار، وزارة الصحة بحاجة إلى وزير طبيب إداري وسياسي، يختصر على الوزارة والدولة طريقاً طويلة، وتكلفة عالية، ويستطيع أن يعيد لوزارة الصحة صحتها وعافيتها السابقة، فيكون وزيراً مداوياً، إدارياً وسياسياً، تعود معه ثقة المواطن بوزارة الحياة والموت!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى