الأدب والثقافة والفنقضايا الوطن

وحدة الوجود

وحدة الوجود

هنالك نوع من البشر يلهمك دائماً حضورهم وحديثهم! هؤلاء عطر الحياة ورونقها! صديقة عزيزة وفنانة مبدعة، ومَدرَسة حياة، شاء قدري الجميل أن أصادفها في رحلة عمري، واستلهم منها كماً هائلاً من الشفافية والمحبة والطمأنينة!
بانا عبدالرحمن التي سبق أن كتبت في وصف حضورها الملهم، وإيجابيتها التي تجعل من أمامها يخجل من سوداويته وتشاؤمه تجاه مطبات الحياة وعثراتها.
ومثلما يلهمني حضورها، كذلك هو فكرها ورؤيتها للأمور، لذلك فإن هذا المقال، وإن كان بقلمي، فإنه يتداعى على الورق بلسان بانا عبدالرحمن، التي يقلقها أحياناً انغماسي في الشأن السياسي في كتاباتي، وهي التي ترى أنني أستطيع أن أوظف تجربتي ورحلتي الروحانية المتواضعة في حصادها رغم تجاوزها الثلاثة عقود، وأن أشارك القارئ بين الفينة والأخرى بعضاً مما استلهمته من هذه الرحلة الجميلة.
تجدر الإشارة هنا أولاً إلى أن الروحانية ليست فكراً ولا آيديولوجيا ولا غاية بحد ذاتها، بل هي تجرد تام عن كل ذلك، هي انسلاخ عن كل ما يرتبط بالمادة والمحسوس، وبما في ذلك اللغة والكلمة، ومن هنا تأتي صعوبة وضع أو صياغة تعريف دقيق ومحدد للروحانيات، فهي ليست طريقاً، بل هي الطريق بحد ذاتها، هي وعي ذاتي بأنك أكثر من مجرد جسد ملموس تحركه المادة، وإذا كان هنالك تعريف قريب لماهية الروحانيات فهو ببساطة: أن تتبع قلبك في طريق الحب واليقين والحكمة.
يأتي الخوف والغضب والثنائية والقلق كأبرز المتناقضات لرحلة المريد في عالم الروحانيات الشاسع، فمفهوم الثنائية يحمل في معناه فصلاً للحالات الطبيعية للأشياء، بينما تأتي الروحانيات لتصهر الكون بكل موجوداته في بوتقة واحدة، إطارها المحبة وجوهرها السلام والطمأنينة، بحيث يكون الخروج من هذه البوتقة هو المصدر الأول لكل الآلام والشرور البشرية.
أول ما يجب أن يدركه المرء في عالم الروحانيات أن الممارسة تنبع من الداخل أولاً، وأن الاستنارة أو اليقظة تخرج من القلب بداية، لتنعكس على سلوكه وعلى فهمه للعالم من حوله، بل وعلى إحساسه بالأشياء وتقييمه لكل ما يدور فيها، وليتصل كل ذلك بكل حركة وسكون في الكون كله.
إن بلوغ الاستنارة الكاملة يجب ألا يكون هدفاً، بمعنى أن يكون خاضعاً لانتظار وترقب المرء، ولعل ذلك خطأ ارتكبه الكثيرون ممن وضعوا الاستنارة هدفهم، فغابت عنهم معالم الطريق الصحيحة، مثل هذه الدقة البسيطة في تعريفها والصعبة جداً في التطبيق، جعلت القلة فقط يدركون حالة “سكون اليقظة”، الذي يشكل مدخلاً إلى علم الوعي السرمدي.
في العلوم الروحانية، تكون وحدة الوجود قاعدة العلاقة ليس بين البشر وحدهم، بل لكل ما يحويه الكون، فليست هنالك فواصل ولا عوائق، بل امتداد وترابط وتلاحم أكده العلم اليوم، حين أثبت أن لا وجود للمادة كما تفهمها، بل طاقة ونور يضمان الكون كله في بؤرة التقاء واحدة.
وعلى الرغم من كل ما تزخر به الكتابات في العلوم الروحانية، تبقى الفكرة الرئيسية في “وحدة الوجود” هي الحقيقة، التي يلهث الشخص في تقصيها، أو كما قال الكاتب اوشو: “إن الروحانية ليست طقساً، بل هي وعي داخلي ويقظة سريرية، وإن أشياء كثيرة ستتغير على السطح، لكن التغيير الحقيقي يحدث من الداخل أولاً”.
كما قال في موقع آخر: “تجنب الكراهية، فهي النتيجة الطبيعية للخوف، والإنسان المليء بالخوف مليء بالغضب”.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى