وتغيرت دفة العداء

وتغيرت دفة العداء
في خطاب ألقاه الزعيم البريطاني “ونستون تشرشل” بتاريخ 23 نوفمبر 1954.. أعلن فيه الزعيم الإنجليزي بأنه كان فقد فكر وبكل جدية عند انتهاء الحرب العالمية الثانية.. بأن يبدأ في تسليح أسرى الحرب الألمان.. وذلك ليعملوا بأنفسهم على صد الخطر الأحمر القادم من القطب الشيوعي والتصدي للتقدم الروسي داخل ألمانيا وأوروبا الشرقية!!
كلام “تشرشل” هذا أثار عاصفة من الاحتجاج آنذاك خاصة في ألمانيا الغربية.. والتي كانت قد أثارت شكوكاً حول احتمالات تنسيق بين إنجلترا والرايخ النازي على اعتبار الشيوعية عدواً مشتركاً!!
الآن تعود الولايات المتحدة.. الخارجة من نزاع الحرب الباردة كالمنتصر الوحيد.. تعود إلى المنطق ذاته الذي عبر عنه “تشرشل” آنذاك!! وذلك من خلال سياسة الاحتواء الثنائي للعراق وإيران.. أو ما سمي بالاحتواء المزدوج!!
وعلى الرغم من أن تلك سياسة تهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة.. وكما أوضح ذلك منسق ومخرج تلك السياسة “مارتن أنديك” والذي وصفها بأنها تنبع من تحليل لميزان القوى الحالي في الخليج.. حيث توجد قوتان إقليميتان كبيرتان بنظام للحكم معاد أساساً للمصالح الأمريكية.. وبأن الدروس التي تعلمتها أمريكا من جراء سقوط إمبراطورية الشاه.. تدفع إلى تبني سياسة احتواء تجاه تلك القوتين في وقت واحد.. وعدم تنمية إحدى القوتين لاحتواء الأخرى وكما كان الحال في الماضي!!
على الرغم من أن هذه السياسة تأتي تعبيراً عن مصالح أمريكية وغربية بحتة.. لا يمكن أن تعود صالحاً على المنطقة.. لا حاضراً ولا مستقبلاً!! على الرغم من ذلك.. فإننا مصرون كمجتمع خليجي.. وعربي على تبني تلك السياسة الاحتوائية الغربية.. سواء كان ذلك من خلال الصمت وعدم التعليق على الوضع بأكمله واحترام (الخصوصية الغربية) بما تراه من أسس للاستقرار المستقبلي للمنطقة!! أو بالإشارة المقتضبة في الاجتماعات العربية القليلة لأهمية الوضع القائم في هذه المنطقة العربية الحيوية!! وبحيث بدت المسألة معزولة تماماً عن محيطها الجغرافي والسياسي!!
حرب الخليج الأولى ثم غزو النظام العراقي للوطن.. ومن بعده حرب الخليج الثانية!! كلها أحداث هزت قناعات وثوابت كانت كامنة لدى شعوب المنطقة والشعوب العربية كذلك.. قبل أن تهز أمناً واستقراراً!! فلقد هزت تلك الأحداث قناعة المواطن العربي بوجه عام بمصادر الخطر.. وبالعدو المشترك.. الحاضر والمستقبلي!! وهو أمر يعد من أهم إفرازات الحروب والأحداث المتتالية في منطقة الخليج!! فالعدو لم يعد صهيونياً.. ولا إمبريالياً بقدر ما هو عربي.. وجار!! ومصادر الخطر ليست دائماً من إسرائيل.. والهيمنة ليست خاصية أمريكية والاستغلال ومد النفوذ ليس غربياً وحسب. بل هو قومي وعربي.. وجار!!
لقد تضاعفت القناعة العربية بمخاطر الأخطبوط الإسرائيلي خاصة بعد حرب 67 و73 ثم بعد الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية في العام 82!! ولم يعد العدو الصهيوني مهدداً للأنظمة العربية.. وللقيادات المتربعة على الزعامة العربية فحسب.. بل أصبح الوجود الإسرائيلي مهدداً لاستقرار وأمن المواطن تهديداً مباشراً.. بعد أن لامس الوجود الإسرائيلي شؤون حياة المواطن اليومية!! ولم يستثن من ذلك المواطن الخليجي خاصة بعد الدور الذي خاضته الدول الخليجية في العام 73.. حين أشهرت سلاح النفط!!
وعلى الرغم من منطقية العداء الإسرائيلي.. العربي، إلا أن تغيراً واضحاً قد استجد لدى الأنظمة الخليجية خالفت معه منطق العلاقة العدائية مع العدو الصهيوني!! وأصبح الوضع يشير إلى تباعد في الخطر الإسرائيلي.. مقارنة بالخطر العراقي والإيراني!!
لا يريد أحد منا أن يستبعد طموحات عراقية أو إيرانية مستقبلية في المنطقة!! وهو أمر يعود إلى عوامل مركبة عديدة.. من بينها توافر الثروة.. وهشاشة البنية السياسية والأمنية لدول المنطقة!! وإن كان أحد منا لا يريد أن يأتي طرح تلك المخاطر من منظور غربي أمريكي بحت!! وهو ما حدث سواء من قبل غزو النظام العراقي للوطن.. أو فيما أعقب ذلك من أحداث!! وتحديداً بعد التبدل الجذري في السياسة الأمريكية والذي أعقب استخدام النفط كسلاح عربي نافذ.. جعل الغرب يزداد يقيناً بوجوب توجيه العداء العربي.. وتصويبه في اتجاه آخر.. لا يمنع على الإطلاق من أن يكون عربياً أيضاً!!
لقد ضاعفت الثورة الإيرانية من المخاوف الخليجية بما نادت به من شعارات تتبنى تصديراً ونشراً لمبادئ الثورة!! وإن كان التنبؤ بالخطر الإيراني والعراقي قد سبق ولا شك الثورة الإسلامية، بل وكان وحاضراً حتى في أوج (انتصارات صدام حسين)!!
لا أحد يريد أن يقلل من شأن تلك المخاوف.. خاصة مع ما شهدته المنطقة من أحداث!! إلا أن المنطق وطبيعة النضج السياسي الذي يفترض أن يكون قد ساد المنطقة بعد مراحل المخاض العسيرة!! يفترض ولا شك أن تكون هناك محاولات جادة لرؤيا إقليمية وعربية لمستقبل المنطقة تعود بشيء من العائد الإيجابي لدول المنطقة.. وليس لأحلام الغرب الصناعي فقط!! فحسبهم ما حققوه من إنجاز.. تبدى في توجيه دفة العداء.. وتغيير الأولويات في بوصلة العلاقات الخليجية.. لتصبح إسرائيل بعيدة.. ولكنها دولة شقيقة.. وإيران والعراق.. جارين ولكن عدوين!!
