الأرشيف

وأيضاً كفانا صمتاً

[جريدة القبس 22/1/2003]

أتذكر جيداً أول مقال كتبته بعد التحرير مباشرة في جريدة “القبس”، كان بعنوان “كفانا صمتاً”، وكنت أرمي من وراء عنوانه ومحتواه إلى أن كل مشاكلنا السياسية والاقتصادية، بل وحتى العسكرية منها، تعود إلى ثقافة الصمت التي هي من سمات المواطن العربي بشكل عام!
يومها لم أكن أعني بتلك “الثقافة” المواطن الكويتي وحسب والذي دفع ثمن “صمته” على التجاوزات المتعمدة تجاه حقوقه الدستورية في المساءلة والمواجهة ثمناً باهظاً، سواء في كارثة الغزو البشعة، أو في تلك التجاوزات المالية والإدارية التي أعقبت حرب التحرير متدثرة بحجة إعادة الإعمار، وما تبعها من صفقات تنفيع ومناقصات مستترة برداء الحاجة إلى إعادة البناء!
لم تكن ثقافة الصمت تلك قاصرة على المواطن الكويتي، بل شاركه فيها المواطن العربي كذلك، وكان أقرب تلك الأمثلة إلى الذاكرة ما يتكبده المواطن الفلسطيني من خسائر سياسية وعسكرية ونضالية جراء صمته عن قرار منظمته القاضي بالانخراط في معسكر “صدام حسين”! وهو القرار الذي ألقى بالقضية الفلسطينية في شرائك “مؤتمر مدريد” وحبال “وادي عربة”، وغيرهما من مؤتمرات همشت الحق الفلسطيني إلى درجة التلاشي والانقراض! ولم ينج من ثقافة الصمت تلك حتى أكثر الفصائل الفلسطينية حنكة وتقدمية، فكان أن سقط “المناضل” الدكتور جورج حبش وجبهته الشعبية في مستنقع الصمت حين امتنع عن التنديد بجريمة صدام حسين واختار أن يناضل وفقاً للمنطق الصدامي في النضال!
“كفانا صمتاً”، كان أول ما كتبت الآن، وبعد ما يقارب الاثني عشر عاماً، يبقى العنوان وبكل أسف ملائماً ومترجماً حقيقة الوضع والخلل السياسي والإداري في دولتنا الحبيبة الكويت!
يقول الزميل أحمد النفيسي في مقاله المنشور في جريدة “الطليعة” الأسبوع الماضي “إن تزوير انتخابات عام 1967 جاء وسط تعتيم إعلامي شامل، وغياب كامل لدور الصحافة في تعرية ذلك الاعتداء الغاشم على الدستور وحقوق الشعب الكويتي”، موجهاً نداءات أربعة إلى من هم في سدة المسؤولية، ومطالباً بضرورة التحرك تجاه التعديل المقترح على قانون المطبوعات والصحافة! الذي سيساعد حتماً على سيادة ثقافة الصمت باعتباره “يشكل عائقاً أمام حرية المواطنين وحقهم في الحصول على المعلومات الحيوية التي تمس حياتهم والرأي الصادق الذي ينير لهم الطريق”.
إذن هي ثقافة الصمت التي كانت وراء حل مجلس الأمة وتعطيل الدستور في عامي 1976 و1986.
أما النائب عبدالله النيباري فيشير كذلك إلى سيادة ثقافة الصمت هذه التي سهلت لسراق المال العام وأراضي أملاك الدولة مهامهم، في غفلة أو “صمت” عن التمسك بالإجراء القانوني والدستور المفترض الأخذ به! لتمتد بنا المسيرة الخطأ من “دولة البراميل” إلى “دولة اللآلئ”.
الأمثلة على الكوارث التي حلت بالكويت جراء ذلك النهج الخاطئ في الصمت بدلاً من التمسك بحقوقنا بكافة أشكالها، هي بلا شك أكثر من مجرد هذين المثالين!
ومساحة هذا المقال اصغر بكثير من أن تحتوي تلك الأمثلة، وإذا كنا لا نستطيع أن نلغي الماضي أو نعيد كتابة التاريخ فإنه لا يزال بأيدينا وأمامنا أن نصنع المستقبل، أو أن نتصوره على أقل تقدير!
ونحن قطعاً لا نريد ان نستخدم آلاتنا وأدواتنا القديمة في إرساء بنائنا الجديد وإلا مارسنا هفوة الجاهل بدروس التاريخ وعبره، وكررنا أخطاءنا الإنشائية التي تتلخص في صمتنا عن حقوقنا التي يأتي في مقدمتها تحكيم الدستور ليكون الفيصل بين ما يجوز وما لا يجوز! فبحسب الدستور وفي المادة 36 منه: “حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما”، وهو ما يتناقض مع التعديل المقترح على قانون المطبوعات!
كما يحسم الدستور قضية اللآلئ وغيرها بحسب نص المادة 138 التي تقول: “يبين القانون الأحكام الخاصة بحفظ أملاك الدولة وإدارتها وشروط التصرف فيها والحدود التي يجوز فيها النزول عن شيء من هذه الأملاك”.
إن من المؤسف حقاً أن يعود عنوان مقالي الأول ليصبح فاعلاً بعد كل هذه الأعوام، وأملي ألا يكون صالحاً لعشرة أعوام أخرى مقبلة، فكفانا صمتا يا رجال الوطن!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى