
اختتم قادة الدول الخليجية اجتماعهم السابع عشر، بالتأكيد على ضرورة التعاون والتنسيق في ما بينهم، والحرص على تأطير الروابط النموذجية بين منظومة دول مجلس التعاون، ومواصلة المسيرة التضامنية بما يعود على الجميع بالخبر والاستقرار. وتلك ديباجة طالما تصدرت البيانات الختامية لاجتماعات القمم الخليجية.. بصورة أصبحت مكررة ورتيبة.
ما يؤسف في لقاء القمة الأخير، أن المجلس قد طرح موقفه من قضايا حيوية وحرجة بصورة تعكس يقين أعضائه من تلك المواقف، غير أن التعامل الرسمي والحقيقي تجاه قضاياه الكبرى، قد جاء – وكما نعلم جميعاً – متبايناً بصورة أثرت سلباً في روح التعاون والتنسيق المفترضة. فبينما يجيء موقف القمة الأخير من النظام العراقي متفقاً مع الموقف الدولي، تستمر الاختراقات الخليجية لذلك الموقف بأسلوب يتنافى مع أدنى مقومات التنسيق والعمل الموحد والمشترك، كذلك يأتي موقف المجلس من قضية الجزر الإماراتية الثلاث، والعلاقات مع إيران، متناقضاً مع بعض المواقف الرسمية المعلنة لبعض دول الخليج تجاه العلاقة مع إيران، هذا بالإضافة إلى التباين الكبير في الموقف الرسمي لدول الخليج تجاه عملية السلام العربية – الإسرائيلية، وعودة العلاقات مع إسرائيل.
إذا كان هناك ثمة حقائق قد أكدها الاجتماع لقوانين مكتوبة أو لقرارات مدونة حول كيفية التعاون وأساليب التنسيق بين دول الخليج، وإنما إلى خطوات إجرائية تنفيذية لكل ما حوته وثيقة التعاون، وبرامج المجلس الختامية من قرارات وتوصيات وتعهدات.
ولعلّ قادة دول الخليج قد استشعروا ضعف مصداقيتهم وتراجعها لدى المواطن الخليجي، فأصروا على الخروج ببيان ختامي صارم وقوي لا يعكس على الإطلاق مواقف الدول الخليجية تجاه قضاياها العالقة. ولن يرقى إلى حيز التنفيذ لخلل في العلاقات الخليجية هو لا شك متجذر وعميق.
لقد أكدت أحداث الغزو، وما تبعها من إجراءات وقائية مؤقتة، أن مصادر التهديد الأمني لدول الخليج هي بلا شك واحدة. وإذا كان غزو النظام العراقي للوطن قد شكل تهديداً مباشراً للكويت. فإن ذلك لا يعني حصانة الدول الخليجية من أخطار مشابهة. حيث تتشابه البنى السياسية والاقتصادية لدول المنطقة، فبينما تشكل دول الخليج مجتمعات صغيرة، تضم كيانات سياسية ضعيفة تأتي الدول المحيطة بها لتشكل مجتمعات مكتظة سكانياً، بأنظمة سياسية غير ديمقراطية.
كما تأتي دول الخليج متمتعة بوفرة مالية ضخمة مقارنة بدول محيطة بها لا تتمتع بذات الوفرة، بل يكتنفها العوز المالي في أحيان كثيرة. بمعنى آخر إن التفاوت الكبير بين الموارد المالية والاقتصادية لدول الخليج، وبين قدراتها السياسية والعسكرية، سيكون دائماً مصدراً للقلق الأمني الخليجي، وسبباً لانتهاكات مثل غزو النظام العراقي، والذي عمق الإحساس بالخطر لدى دول الخليج، بعد أن أصبح واقعاً لا احتمالاً وحسب.
كان بإمكان مجلس التعاون الخليجي أن يتناول مصادر التهديد والقلق الأمني بصورة ناضجة تعكس درجة إدراكه لحقيقة تلك المصادر، والتي ستبقى قائمة ما بقيت الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية في الدول المحيطة بالخليج، خاصة وأن نظم الاستبداد تلك ستكون دائماً في حاجة إلى مغامرة، شبيهة بمغامرة “صدام حسين” تبرر بقاءها واستمرارها..
كان بإمكان دول الخليج انطلاقاً من حقها المشروع في الأمن المستقبلي، أن تصوغ رؤيتها حول إمكانية التغيير في العراق. وأن لا تكتفي بالتمسك بالقرارات الدولية شفهياً. خاصة أن مشاريع استقرارها ترتبط مباشرة باستقرار الوضع سواء في العراق أم في إيران.
كان على دول مجلس التعاون الخليجي أن تستعين بكارثة الغزو لترسم على ضوئها نقطة تحول جذرية في سياساتها ومشاريعها. وأن تحسم خلافاتها الحدودية العالقة، بصورة تضمن خلق تعاون وتوافق مستمرين. وهو أمر لن يحدث ما لم تخرج قرارات اجتماعات مجلس التعاون من الحيز التشريعي إلى الفعل التنفيذي، خاصة بعد سبعة عشر عاماً من التوصيات والاقتراحات والبرامج الختامية الواعدة.
لم تعد قضية توحيد القرار والفعل الخليجي قضية دبلوماسية وشفهية، بل هي مسألة أساسية، وشرط صارم للدخول في أي مشروع أمني خليجي، خاصة بعد أن أدركنا كم خدم الخليج مجزأَ طموحات الآخرين الشاذة والعدوانية!! وكم أصبح الخطر المستقبلي الذي يهدد دول الخليج، واقعاً وحقيقة، بعد أن كان احتمالاً وتصوراً!
الطليعة 1996/12/28




