الأرشيف

وأصبحت الكويت قاعدة دائمة!!

[جريدة الطليعة 3/11/1999]

جرت في الأسبوع الماضي مناورات “النجم الساطع 99” حيث شارك 73 ألف جندي من إحدى عشرة دولة بإنزال بري على رمال صحراء مصر في أكبر مناورة عسكرية في العالم بهدف صقل مهاراتها القتالية لمواجهة أية أزمة دولية في المستقبل!!
وغرض هذه المناورات واضح وهو تدريب قوات تلك الدول على سرعة الإنزال البري والقتال بكفاءة معاً في أية منطقة تندلع فيها اضطرابات، أما الدول الإحدى عشرة المشاركة في هذه المناورات الضخمة فهي مصر والولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا واليونان والكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن!!
وبينما يؤكد تعاون عسكري مشترك كهذا على طبيعة العلاقة (الحميمة) بين الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة وبين دول خليجية كالكويت والإمارات ودول عربية كمصر والأردن من جهة أخرى!! فإن التعاون أو التنسيق السياسي بين تلك الدول يبدو متراجعاً إن لم يكن مفقوداً، ففي حديث لوزير الدفاع البريطاني “جيفري هون” أدلى به في مؤتمر صحفي سبق لقاءه مع الرئيس المصري قال إن إطاحة الرئيس العراقي ليست هدفاً للسياسية البريطانية حتى لو كان ذلك في مصلحة الشعب العراقي!! وفي الوقت نفسه هنالك تقارير سياسية أصدرتها هيئة “ستراتفور” للنظم والمعلومات تشدد على أهمية إعادة النظر في السياسة الأمريكية المتبعة مع العراق وتوصي بإعادة الاعتبار لصدام حسين والدفع بإعادة دمج العراق في المنظومة الإقليمية لموازنة الثقل الإقليمي لإيران!! ووفقاً لتقرير آخر من تلك الهيئة فإن الاتصالات الأمريكية العراقية خطت خطوة مهمة في الشهور القليلة الماضية بعد لقاء بين “روبرت بلليترو” و”قصي صدام حسين” في أنقرة ناقش خلالها الطرفان سبل تنسيق التوجهات الاستراتيجية بين العراق من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى بما في ذلك قبول بغداد لتوطين الفلسطينيين، وإقامة قاعدتين عسكريتين أمريكيتين في جنوب العراق، وإعطاء أولوية إعادة الإعمار للشركات الأمريكية!!
قد تكون ظروف غزو النظام العراقي للوطن هي التي دفعت بنا إلى ما نحن فيه من تخبط في رسم أولويات أمننا السياسي والعسكري!! وقد تكون حالة عدم الثقة التي أصبحت مسيطرة على العلاقات العربية – العربية قد أدت إلى قبول الكويت علناً وصراحة لأن تكون القاعدة الأمريكية الدائمة في المنطقة بعد إعلان واشنطن عزمها على توسعة قاعدة “علي السالم” و”الدوحة” ونشر عدد أكبر من الطائرات من خلال مشروع تصل تكلفته إلى 193 مليون دولار تتحمل الكويت الجزء الأكبر منها!!
قد تكون تلك هي الظروف السائدة في المرحلة الحالية!! غير أنها حتماً لا تصب في الأمن السياسي البعيد المدى!! ولا تحقق الاستقرار المنشود والذي يعتبر شرطاً أساسياً لكل البرامج والمشاريع التنموية المستقبلية!!
لقد استطاعت الكويت، وعبر تاريخها أن تنأى بنفسها عن كل التحالفات القائمة إقليمية كانت أم عربياً، ورسمت لنفسها سياسة حيادية طالما ميزتها وتوجت استقلاليتها!! فاحتضنت بذلك خلافات عربية – عربية، وعملت على فض نزاعات كثيرة، فكانت قبلة المتنازعين سياسياً والمختلفين فكرياً!! واستضافت أرضها مؤسسات عربية حكومية وغير حكومية وجدت في الكويت مناخاً صحياً لممارسة عملها ومهامها!! ولم يؤثر في تلك الاستقلالية الكويتية رفع بواخرها للعلم الأمريكي إبان الحرب العراقية – الإيرانية!! وذلك ليقين الجميع بالدوافع الأمنية من وراء ذلك، ولم تتهم الكويت حينها بالتبعية لأمريكا لأن نهجها وتوجهاتها السياسية كانت بينة وواضحة!!
الآن وبكل أسف تصبح الكويت قرباناً لانحرافات الآخرين سياسية كانت أم لا!! وتدفع فواتير الديكتاتورية في العراق، واللاديمقراطية في غيره!!
فتصبح قاعدة دائمة للولايات المتحدة مع كل ما يحمله ذلك ويعنيه من مخاطر ومساس باستقلاليتها الأصيلة!! فتعاون عسكري بهذه الصورة لا يعني بالضرورة تنسيقاً أو استراتيجية سياسية مشتركة. وسيؤدي حتماً إلى إحراج الكويت إقليمياً وعربياً، بل وسيفتح معه نوافذ كثيرة لأخطار مستقبلية قد تطال مؤسسات كويتية أو سفارات أو طائرات أو رموز قيادية، خاصة مع اعتبار موقع الكويت الجغرافي المحاصر بدول كثيرة تحمل من العداء للسياسية الأمريكية الشيء الكثير، مما قد يجعلنا هدفاً سهلاً وقريباً لكل الطامحين بالثأر من أمريكا أو بالأضرار بمصالحها والتي تعتبر قاعدة عسكرية بهذا الحجم واحدة منها!! قد لا يكون هنالك مجال فسيح للاختيار في ظل الظروف الراهنة!! فالحسابات الآنية كلها لا تصب في مصلحة الكويت غير أن عليها كدولة ألا تستسلم تماماً لقدر التبعية هذا، وأن تحاول استثمار وضعها بصورة تعقبها من مخاطر مستقبلية قادمة!! وألا تتراجع عن الإصرار على أولويات أمنها واستقرارها والتي يأتي على رأسها استمرار النهج الديمقراطي والامتداد به إلى دول الجوار، ورسم سياسات أمنية وتعليمية سياسية واقتصادية راسخة ومثمرة!! وأن يستمر دور الكويت الإقليمي والعربي رائداً، وألا تنصاع لأمن زائف ومؤقت قد تخلقه معاهدات أمنية، أو قواعد عسكرية حتى وإن كانت دائمة!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى