ملفات ساخنة

وأصبحت الحرب عربية عربية

وأصبحت الحرب عربية – عربية”

الضربة الأخيرة التي تلقاها العراق.. لا تخص كرامة العراق وحسب.. وإنما تشمل ما تبقى من الكرامة العربية بوجه عام.. فهي تتضمن رسالة مؤكدة إلى المنطقة بأسرها.. وإلى كل من يهتم بمستقبل هذه البقعة من العالم.. بأن جزءاً كبيراً من المسئولية تجاه بقاء الوضع كما هو في العراق.. هو بالتأكيد أمر يقع عليه سواء كان فرداً أو حكومة أو نظاماً.. أو حتى جمعية.
وإنصافاً منا للحق.. فإننا جميعاً كدول عربية.. نحن الذين أطلقنا المارد من القمقم.. وبذلك فنحن نتحمل مسئولية إعادته إلى حجمه.. فصدام حسين مارد من صنع الحكومات والأنظمة العربية مجتمعة.. كلنا ساهمنا في إخراجه.. وتدارك الخطأ هنا.. حتى وإن جاء متأخراً.. نسبة إلى معاناة العراق كشعب.. إلا أن التصرف الآن وإن تأخر.. هو حتماً أفضل بكثير من عدم التصرف على الإطلاق.
لا نريد أن نطلق الشعارات القديمة بوجوب محاربة الإمبريالية والاستعمار لتحرير الشعب العراقي.. باعتبار أن ذلك هو موّالنا المعهود فيما يحل بنا من كوارث.. فالإمبريالية والاستعمار لن يحظيا بانتصارات ولا فرص.. لولا أنهما عرفا جيداً كيف يتسللان من ثقوبنا الكثيرة.. وعثراتنا المكررة. فالدول الغربية.. تتصرف بمنطق ما تفرضه عليه مصالحها.. إن تطابقت كانت النتيجة كالكويت.. وإن تنافرت دفع الشعب العراقي الثمن.. الدول العربية الآن بحاجة إلى تضافر حقيقي لإزاحة أشد الكوابيس العربية مرارة وقسوة.. وأكثر المراحل العربية سوداوية.
الحرب الآن أصبحت بلا شك.. حرباً عربية – عربية.. وبذلك فالمنطق يقول أن الخاسر دوماً ومن كلا الجانبين.. هو الفرد العربي.. بل والكيان العربي بأكمله.. فالغرب استطاع أن يعفي نفسه من مسئولية التدخل المباشر.. كما في حرب تحرير الوطن.. ويكتفي بجعل المبارزة عربية الأطراف.
فالصواريخ (التوماهوك).. والتي خرجت لتقصف العراق – حتى وإن كانت أمريكية الصنع – إلا أنها خرجت من أراضٍ عربية.. وبتصريح عربي.. وذلك بكل تأكيد.. من شأنه أن يُبقي على الحرب العربية عالقة لأجيال وأجيال.. ليبقى المنتفع الوحيد أطرافاً غير عربية بكل تأكيد. فنحن نستطيع أن نقنع المواطن العربي أو العراقي المعتدل.. بحتمية الحرب التي حررت الوطن.. ولكننا لن نجد التعليل ذاته.. لما يحدث الآن.. خاصة وأن تلك الغارات الأمريكية المتكررة منذ بداية العام.. لم تحقق أهدافاً للشعب العراقي.. بتحريره من النظام القائم.
لا نستطيع أن نضع اللوم على الإدارة الأمريكية وحدها.. في الضربة الأخيرة الموجهة إلى العراق.. فالرئيس الأمريكي يراهن على شعبيته سواء بقصف الصومال.. أو بضرب العراق.. والكرامة والمصداقية الأمريكية تؤكدها مثل هذه القرارات (الحازمة) في مواجهة العنف وحوادث الخروج على الشرعية الدولية.. وما زال بحوزتنا الكثير نقدمه لحفظ كرامة الرئيس وإدارته.. فالفشل الذي واجهه الرئيس الأمريكي في عملية (مقاديشو).. استطاع وبسهولة أن يتداركه في عملية العراق..
لا نريد أن نندفع وراء العاطفة أكثر مما نحن عليه الآن.. حتى لا نكون كذلك الرجل الذي تحدثت عنه الروايات.. والذي أراد الانتقام من زوجته فقتل الطفل الذي هو ابنهما معاً.. فصدام حسين ليس مجرماً بحق شعبه وحسب.. وإنما أصبح أثر وجوده ممتداً إلى كل القضايا العربية.. وبحيث أصبح التلاعب والمساومة على القضايا العربية أمراً طاغياً وصارخاً.
لقد أدرك الشعب الأوروبي من قبل مغبة الانفعال ورد الفعل العاطفي في الأمور السياسية.. خاصة بعد التجربة المريرة التي عاشتها أوروبا من جراء عزل ألمانيا بعد الحرب الأولى.. والتي يرى الكثير من المؤرخين أنها السبب الأكبر في نمو ألمانيا الهتلرية إبان الحرب الثانية.. لذلك فقد كانت المبادرة من الحلفاء المنتصرين ذاتهم في الحرب الثانية.. بالالتزام بمستقبل ألمانيا بعد تلك الحرب.
لقد استطاع الغرب أن يُبرر تصرفاته في عمليات كالتي أطلقها في الصومال أو في العراق.. بكونها تتلاءم ومصالحه في المنطقة بأسرها.. وقد جاء ذلك واضحاً من خلال تصريح وزير الخارجية الأمريكي الذي اعتبر أن عملية العراق الأخيرة هي “إشارة إلى أن الولايات المتحدة ستواجه بقوة الإرهاب أينما تجده… وإذا أمكن حل مشاكل عملية السلام في الشرق الأوسط فإن ذلك سيشكل خطوة مهمة ضد الإرهاب فإذا حل السلام في المنطقة ستتضاءل مشاكل الإرهاب”.
فهو بذلك قد جمع بين هدفين أساسيين بالنسبة للإدارة الأمريكية.. جهود السلام.. ووضع حد للإرهاب الشرق أوسطي.. وهما بلا شك من المعوقات الأكيدة للمصلحة الأمريكية في المنطقة. وعلى النقيض من الفهم والاستيعاب الغربي للمصلحة وكيفية التعامل من خلالها مع الوقائع السياسية القائمة.. كل بحسب ظروفها.. جاء التعامل العربي الساذج أو المتخاذل.. على الرغم من أن قضية المصالح بين الدول العربية.. هي مسألة قائمة وأكيدة.. تفرضها ظروف تاريخية واجتماعية وجغرافية.. لا ظروفاً مؤقتة، إلا أننا جميعاً وكشعوب وأنظمة عربية ما زلنا مُصرين على مبدأ الفصل.
لقد آن الأوان أمام العرب ليدركوا جيداً أن وحدة المصير ليست شعاراً نادى به الوطنيون يوماً ما.. وأسقطه صدام حسين باجتياح الوطن.. على الرغم من أن ظروف غزو الوطن قد أكدت بصورة أكبر حقيقة وحدة المصير تلك.. فكل قضايانا تراجعت مع أول طلقة مدفع باتجاه الوطن.. وازدادت حدة تراجعها مع انفلاتنا عن الظروف التي خلفتها أحداث الخليج. فسوريا تقف موقفاً ضعيفاً مستسلماً في مطالبها بحقها في المياه.. والأردن يقترب من خطر الفقر.. وليبيا محاصرة ومقاطعة.. ولبنان تتآكله البطالة.. ومصر يفترسها الإرهاب الديني.. والسودان يتضور جوعاً.. وجزر الخليج تتناقص.. والجزائر وتونس.. إلخ. كل تلك القضايا المتنامية.. والعرب لا يزالون في خشية من كشف عيوبهم علانية.. وفي خوف من أن يتنبهوا للعلاقة بين معاناتهم وبين استمرار أنظمة العنف والدكتاتورية. كنظام بغداد.. كل ذلك.. لا لشيء.. إلا من أجل أن لا يصبحوا جزءاً من القضية العربية.

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى