
عادت قضية “المادة الثانية” من جديد لتتصدر حوارات ونقاش المسؤولين كما العامة، وبغض النظر عن التبريرات والتفسيرات التي يسوقها المنادون بالتعديل فإن قضية التعديل في جوهرها، دعوة لتحكيم وتطبيق الشريعة لتكون الفيصل في كل شؤون المجتمع سياسية كانت أم اجتماعية، اقتصادية هي أم أخلاقية.
وعلى الرغم مما قد يثيره التعديل في المادة الثانية من قضايا وأمور أخرى كقضية الوراثة في الحكم إلا أن المنادين بالتعديل ماضون في مطالبهم ومتجاهلون كل التفاصيل التي قد تطرأ.
لا شك أن المطالبة بتعديل المادة الثانية، تحوي دعوة لإلغاء العقل، ولتجاهل دور الفكر البشري في فهم وتأويل النص القرآن! ومن هنا فإن النص والقرآن لم يكونا أبداً موضع جدل أو اختلاف، بل هي “الحاكمية” والحق في فهم وتأويل “النص” والحكم بمقتضى ذلك الفهم!! خاصة بعد أن عبر الإسلام بمحاولات كثيرة لاستخدام النص في سبيل تبرير أغراض وأهداف سياسية واقتصادية لا علاقة لها بالدين وبالنص كفرقان منزل من عند الله.
ولعلَّ أشهر تلك المحاولات، قد جاءت في موقعة “صفين” يوم رفع الأمويون المصاحف على أسنة الرماح، داعين إلى “تحكيم كتاب الله” مما دفع بالإمام علي G لأن يحذر رجاله قائلاً “عباد الله أمضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم فإن معاوية وعمرو بن العاص (وذكر أسماء أخرى) ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، قد صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً فكانوا شر أطفال وشر الرجال، ويحكم إنهم ما رفعوها لكم إلا خدعة ودهناً ومكيدة” انتهى.
وسواء كانت في دعوة نوابنا الأفاضل لتعديل المادة الثانية، أم كانت في محاولات تاريخية مشابهة، أم جاءت في تجارب دول أخرى معاصرة، فإنها جميعاً تصب في معنى واحد، يدعو إلى احتكار النص القرآني المنزل واستثمار التأويل لخدمة أغراض وأهداف مرحلية وآنية.
فعلى الرغم من أن الإسلام واحد وأن الدين الإسلامي قد أنزله العزيز الحكيم، لكل زمان ومكان إلا أن التاريخ الإسلامي قد شهد حوادث كثيرة تنفي عن الإسلام وحدته وصلاحيته الأبدية. فشهدنا إسلاماً سياسياً. وإسلاماً قام لأسباب اقتصادية بحتة. وآخر لعوامل اجتماعية وفكرية مرحلية وكل فسر هدفه من خلال تأويله واجتهاده في فهم النص.
النزاع إذن تاريخياً وحديثاً، قد كان حول الحق في الفهم والسلطة في التأويل وهو أساس الاختلاف بين الداعين لتعديل المادة الثانية وللرافضين في هذا الوطن.
الصراع على السلطة في تأويل النص هذا إذن حقيقة يحاول الإسلام السياسي أن يتنصل منها وينكرها وأن يبرر مطالبة في التعديل بكونها دينية وروحانية، خالصة لله ولرسوله c! وهم بذلك يقعون في تناقض مؤسف بين نفيهم وإنكارهم لمطلبهم في تلك السلطة، وبين إصرارهم على تعديل المادة والذي يعني مباشرة إعلانهم لسلطة دينية، يتوجب اللجوء إليها في الفهم والتأويل.
إن كل الصراعات الحديثة بين أحزاب أو جماعات دينية وبين السلطة أو النظام الحاكم قد كانت صراعات سياسية بحتة حول سلطة الحكم والإدارة أو لتبرير فكر وإيديولوجية الجماعات المتصارعة تلك. وما استخدامهم للدين هدفاً وللشريعة شعاراً سوى وسيلة لفرض رؤاهم وتحقيق مصالح وأغراض هي لا شك سياسية في أغلبها. وقد نستطيع القول إنهم قد نجحوا في ذلك لأسباب تتعلق بخوف الفرد من أن يتهم برفضه للشريعة قانوناً وللدين حكماً. فمما لا شك فيه أن أحداً لا يجرؤ أن يعلن رفضه لحاكمية القرآن والسنة. ولعله ذات السبب الذي جعل المؤمنين يتراجعون أمام أسنة رماح الأمويين التي رفعت المصاحف آنذاك، خوفاً من أن يتهموا بإنكارهم لدين الله وذلك قبل أن يذكرهم الإمام علي G في حديثه عن القرآن الكريم قائلاً: “إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال” انتهى. فتأكد الجميع يومها أن تحكيم الأمويين للكتاب قد كان تحكيماً لهم كساسة وقادة ليس إلا!!
