شئون عربية

هل ينتهي الليل العربي

“هل ينتهي الليل العربي؟!!”

لعلّ من أكثر التساؤلات التي أثارها غزو النظام العراقي للوطن.. ما يختص منها بمصير النظام العربي القائم منذ عام 1945.. وبقضايا القومية.. والهوية العربية الواحدة. فالانقسام الحاد.. وتباين ردود الفعل العربية إلى درجة اختلافها وتعارضها تجاه عملية الغزو والاحتلال.. قد أفرزت ولا شك حاجة حقيقية إلى إعادة نظر جدية في العلاقات العربية.. وفي صورة النظام العربي للقرن المقبل. خاصة وأن ذلك الانقسام لا يعني زوال الهوية العربية.. ولا الانتماء العربي.. بقدر ما هو إثارة لأزمات عربية كثيرة بقيت ولفترة طويلة مؤجلة وخامدة إلى أن جاء الثاني من أغسطس 1990 ليثيرها بما يشبه الزوبعة التي ما زالت ريحها وإعصارها عالقين في جو العلاقات العربية.
لا شك أن حتمية عودة النظام العربي في إطار علاقات عربية جديدة قائمة على المزيد من الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان.. وذلك بما تعرضه المستجدات والمتغيرات الدولية من حولنا، لا شك أن علاقة عربية جديدة كهذه ستفرضها الهوية والثقافة العربية الواحدة.. بالإضافة إلى ما استجد في أعقاب غزو الوطن من أمور مصيرية تطال ولا شك مستقبل كل الدول العربية.. وتتطلب تضافر الجهود العربية للخروج بمواقف موحدة يكون عائدها مرضياً لجميع الاطراف العربية. فهناك التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي.. وهناك مستقبل العراق.. وهناك تزايد العنف الديني والإرهاب الفكري الذي أصبح يهدد الكيان العربي مباشرة. هناك أيضاً التحالفات الاقتصادية التي قسمت العالم من حولنا إلى معسكرات محصنة بقوانين تجارية واقتصادية.. تفرض شروطها التجارية وتعريفاتها الجمركية الخاصة بها. وتجعلنا كعالم عربي غني بالموارد والثروات.. نتلقى ما يفرضونه من شروط دون أن نملك المبادرة الواحدة.. القادرة على الوقوف في وجه ذلك الهيجان الاقتصادي الذي يؤم العالم من حولنا.
لعلّ المهرجان العربي الذي عقد مؤخراً في الوطن.. بمناسبة افتتاح المقر الدائم لمنظمة المدن العربية.. خطوة أولى في درب الطريق الصحيح ولعلها جاءت الآن في التوقيت الصحيح كذلك.. فعلى الرغم من أن الوطن قد احتضن دوماً هذه المنظمة الإقليمية العربية اللاحكومية منذ تأسيسها في العام 1967.. إلا أن ذلك التجمع العربي للدول الأعضاء قد أثار في النفس شجونا.. أعادت إلى الأذهان لقاءات عربية أخرى احتضنتها زوايا الوطن.. كان لتبادل الرأي والفكر والخبرات فيها أثر في إثراء العلاقات بين أبناء الوطن العربي الواحد.
لعلنا جميعاً في هذا الوطن.. نتذكر جيداً عزوف المواطن العربي عن مؤازرة القضية الكويتية إبان احتلال الوطن.. وبقدر ما أحزننا ذلك.. فقد أثار تعجب ودهشة الكثير منا.. خاصة وأننا كنا دوماً سباقين لنجدة العربي في كل مكان.. ومنشغلين حتى النخاع بالقضايا والمشاكل العربية.. إلا أننا جميعاً أصابنا اليأس إبان مرحلة الشتات.. بأن أجزاء كثيرة من عالمنا العربي وأقواماً أكثر لا تعلم عن المواطن الكويتي وطبيعته أكثر مما تعلم عن مواطن (الواق واق).. ولم تجن شعوبها من المساعدات والنجدة الكويتية أكثر مما جنى سكان سيبيريا. بينما بدا المواطن العراقي.. صاحب قضية لدى البعض.. ومجرم بغداد حاكماً عادلاً نزيهاً يسعى إلى وحدة الصف العربي ورفاه الفرد العربي!! وقد يكون لدى المواطن العربي شيء من العذر.. فنحن لا نعدو بالنسبة له أكثر من جموع سواح.. لديهم قدرة خارقة على الإنفاق.. وعلى تبديد الأموال التي أصبح يعدهم بها حاكم نظام بغداد.
لقد أكدت تداعيات ردود الفعل العربية تجاه كارثة الاحتلال.. خاصة ما يتعلق منها برد فعل الشارع العربي.. أكدت أن مجاملات الحكومات العربية فيما بينها.. لا تقي في زمن المحن والكوارث الصعبة.. فعلى الرغم من هامش الحرية السياسية المحدود للشعوب في الوطن العربي.. إلا أنها تبقى المحور الأساسي في أن تحرك أي قرار تتخذه حكومة ما. ولو كنا أقرب إلى الشوارع العربية.. لما تجرأت حكومات كثيرة على مواقفها التي اتخذتها إبان الغزو الآثم.
لقد استطاع العراق فيما قبل غزو الوطن.. أن يخترق جدار الشعوب العربية.. وأن ينفذ بدهاء واضح إلى عمق العلاقات المجتمعية اليومية للشعب العربي.. وفتح أبوابه لمنظمات عربية كثيرة.. ولندوات فكر.. ولمنتديات شعر.. وتبنى قضايا شعوب.. لا مآزق ومشاكل حكومات وأفراد.. وعلى الرغم من كون نظام بغداد لا يؤمن عملياً بالحريات الأساسية للشعوب.. إلا أنه احتضن كل المتحدثين بلغة الحق.. والمطالبين بشيوع التسامح.. وسيادة الحقوق البشرية. واحتضن كثيراً من الهيئات الشعبية والتي لم تجد لها مستقراً في دولها بل وجند نفسه حامياً للقضايا العربية المصيرية.. واستضاف المدافعين عنها.
لا نريد في هذا الوطن.. أن تصرفنا حالة السخط والكره للعراق ونظامه عن قول الحق فيما يختص بتفوقه كدولة وبقدرته كنظام على استقطاب شرائح كبيرة مختلفة من الشعوب العربية.. في وقت كنا نرى أن استضافة ندوة فكر.. أو احتضان مقر لمنظمة عربية.. أمر قد يهدد الأمن والاستقرار!! ولا نريد كذلك أن نتجاهل النجاح الذي حققه الأسلوب العراقي.. والذي بدا واضحاً من خلال انصراف المواطن.. والذي لا نستثني منه المثقف العربي عن التنديد بجريمة نظام بغداد.. على الرغم من وضوح الصورة التي كانت قائمة آنذاك.
لقد دفعنا في هذا الوطن ثمناً باهظاً في سبيل إدراك أهمية التعاون والتقارب على المستوى الشعبي بيننا وبين الدول العربية الأخرى.. ولعلّ هذا التجمع العربي في افتتاح المقر الدائم لمنظمة المدن العربية يأتي كترجمة لذلك الوعي والإدراك.
لقد طرحت كارثة الغزو وتداعياتها سؤالاً جوهرياً حول مستقبل العلاقة العربية.. خاصة في ظل ما تقدمه العلاقات العربية من قضايا مصيرية بالغة الدقة والتقدير.
فقد أخرج العرب إبان غزو الوطن.. وفي أعقاب حرب التحرير.. كل ما بحوزتهم من مشاكل مؤجلة وخلافات مستترة.. وبحيث أصبحت العلاقات العربية أكثر وضوحاً وإن تزايدت خلافاتها.. فهل يعني ذلك أن العالم العربي مقبل على مرحلة أكثر نوراً ونهاراً.. أم أن الليل العربي المظلم لا يزال في أوله؟؟! أسئلة في انتظار مبادرات عربية.. كالمجتمع العربي الذي احتضنه الوطن في الأسبوع الماضي!!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى