هل يسقط الحجاب من إيران

هل يسقط “الحجاب” من إيران؟
استوقفني مقطع فيديو لعازف موسيقى جميلة، أمام جمهور من المشايخ الذين طالما حرّموا معازف الشيطان، كما كانوا يُطلقون على فن الموسيقى، والغريب أنهم كانوا جالسين بين سيدات من الحضور، بمعنى آخر مبدآن تراجع عنهما هؤلاء الشيوخ الأفاضل في ذلك الحفل الموسيقي، مبدأ رفض الموسيقى بكونها غواية ومدخلاً للشيطان وشروره، ومبدأ وأد المرأة داخل أسوار منزلها باعتبارها عورة وفتنة.
يرى علماء الاجتماع أن الحَجَر الأساسي لبناء شخصية الإنسان يبدأ منذ اللحظات الأولى التي يتشكّل فيها وعيه بكل ما يُحيط بمحيطه من شخوص وأحداث وقِيَم ومُسلّمات وغيرها، ومن هذا تَتَكوّن لدى الإنسان منظومة القِيَم والعقائد التي تؤثّر فيها مع الوقت تجارب الفرد العملية والفكرية، ومعها تَتَشكّل لديه مواقف مبدئية يَتَفاوت منسوب الالتزام بها من فرد إلى آخر، وتبقى المبادئ بشكل خاص عرضة لرياح التغيير التي قد تأتي بها تَقلّبات الحياة، لكن يبقى منها ما يرسَخ ليُشَكّل أحد الأعمدة الأساسية في تقييم الأفراد ومواقفهم.
ليس هنالك من لم تَتَعرّض حياته إلى قَفَزات ومفاجآت أثّرت في مساره وأجبرته على تغيير بعض الخطوات، لكن تبقى مثل هذه الخطوات ضِمن حدود وفي نطاق المبادئ التي استَقَر عليها شخصه، وإن كان هنالك من أسرَفَ في خطواته وبشكل أضاع مبادئه الأولى وتحوّل إلى شخص آخر تماماً، وهؤلاء بكل أسف يشكّلون الأغلبية في المجتمعات السياسية والاقتصادية على وجه الخصوص.
اليوم وفي ظل قرار البرلمان والسُّلطة القضائية في إيران إجراء مراجعة لقانون الحجاب الذي أصبح إلزامياً منذ عام 1983 وذلك عقب اندلاع الاحتجاجات الدامية، ومع تَداول صور ومقاطع لشيوخ دين يَتَصَدّرون الحضور في مهرجانات غنائية ويُشاركون في حملات دعائية تَدعَم الغناء والطرب والترفيه، اليوم لا نملك إلا أن نطرح سؤالاً منطقياً هنا حول مصير الفتاوى التي سادَت الثقافة العربية والإسلامية على مدى أكثر من أربعة عقود، الفتاوى التي كانت تقول إن الموسيقى وآلات الملاهي من العود والطنبور والرباب كلها محرّمة شرعاً وكلها شر، وبأن السفور مُنكَر عند أهل العلم كافّة، بل حتى التصوير ناله ما ناله من فتاوى وبأن كل مُصوّر في النار، يجعل له بكل صورة صوّرها نفس يُعَذّب بها في جهنم.
كثيرة هي الفتاوى التي أصبح العالم الإسلامي اليوم في حيرة منها، بعضها نُسِبَ زوراً لروايات وأحاديث في صدر الإسلام، وبعضها تفَتّقَ عنه فِكر تيارات الإسلام السياسي على اختلافها، وبعضها الآخر لِجُهّال يَقذِفون بها في بحر الجهل العربي لِيَتَلقّفها العامّة، مثل فتوى الداعية السلفي التي قال فيها إن مشاهدة الكرة خلط للمفاهيم وصرف الناس عما ينفعهم في الدارين، وبأن ميسي عدو الدين.
عبر التاريخ كانت لرجال الدين منزلة العلماء فقهاً وروحاً وموقفاً، وكان ثباتهم على مبادئهم هو العنصر الأساسي في اكتسابهم لتلك المكانة، إلى أن تحوّلوا إلى موظفين عند الدولة ورجال السياسة، فأصبحت الفتاوى بأوامر والمواقِف مدفوعة الأجر مسبقاً. أما المبادئ، فتهاوت هي الأخرى تحت وطأة الاشتراطات السياسية والظروف الاستثنائية.
تَتَكرّر دائماً مقولة إن الإنسان مبدأ، والمبادئ بشكل عام هي ما يقود إلى اتخاذ مواقف مُحدّدة، لذلك يمكن القول إن المبدأ والموقف هنا شبه مترادفين، وأصعب ما يكون حين تُصبح مبادئ العلماء محل جدل أو شك، فهؤلاء غالباً ما يُشَكّلون وعي وهوية العقل الجمعي، ومن ثم فتأثيرهم مباشر ومهم جداً، والتحوّل الذي طرأ على مبادئ بعض علماء الدين لا شك أحدث فوضى في الوعي، خصوصاً عند جيل الشباب الذين سقطوا اليوم بين فتاوى وجوبية الحجاب والقرار السياسي بضرورة مراجعته، والذي حَدَثَ في الحالة الإيرانية، وأيضاً بين فتاوى تحريم الموسيقى والمعازف والفنون وشيطنتها، والانفتاح الترفيهي والغنائي غير المحدود في دول إسلامية كثيرة، وبين كون المرأة عورة وفتنة، وكونها زميلة عمل وإنتاج لتغطية حاجة المجتمع من العاملين.
لقد فتح التحوّل الدراماتيكي في دول إسلامية عدة صندوق الباندورا المخيف، الذي أخرَجَ إلى العَلَن مئات الأسئلة التي لم تعد الفتاوى التقليدية كافية ولا قادرة على الإجابة عنها، ومعها عشرات علامات التعجّب والدهشة من مواقف ومبادئ تساقَطَت هشّة عند أول بشائر الرياح، فهل تُطيح هذه الأعاصير بفكرة إلزام الحجاب في إيران كما أطاحت جدلية الموسيقى والغناء وتبرّج النساء واختلاطهم بالرجال؟ وحده الزمن كفيل بالإجابة.
