
الكمبيوتر يدخل رؤوس الطلبة.. مباشرة!
سيكون بإمكان الطالب في العام 2020 أن يتلقى علوم الرياضيات بإشراف “ألبرت آينشتاين”.. والذي سيكون ولا شك مدرساً يقظاً ماهراً.. مصغياً.. لم يوجد مدرس مثله من قبل.
شيء واحد هو المحزن في كون “آنشتاين” مدرسك.. وهو أن هذا العالم ليس سوى صور من نوع “هودو غرافيك” Hdographic يتم التحكم به بواسطة جهاز كمبيوتر متقدم.. يجسد الذكاء والعبقرية الصناعية القادمة إلينا مع ثورة الكمبيوتر.
الآلة “آينشتاين” ستكون متفاعلة مع ما يطرحه طلبتها من استفسارات.. أو بمعنى أدق ستكون الدماغ الصناعي اليقظ دائماً.. طالما تمت برمجتها على ذلك.. ولن يخطئ في صوت الطالب.. أو حتى ردة فعله تجاه ما يسمع.
أما مادة الأحياء فسيقوم بتدريسها سوبرمان أو “سوبرجيرل”.. اللذان سيبدآن أولاً بالتجرد من ملابسهما ثم من طبقة الجلد العليا.. ليرى الطالب أعضاء الجسم الداخلية.. بينما يتابع الطالب الدرس.. والذي سيكون بالتأكيد شيقاً وممتعاً.. خاصة بالنسبة لهؤلاء الطلبة الذين سيتناولون حبوباً تحوي “أمينو أسيد” Amino Acid قبل الدرس بفترة وجيزة.. وتسمى “تيروسين” Ty-rosina.. وهي تعمل على مضاعفة إنجاز العقل لدى هؤلاء الطلبة.. إضافة إلى إثارتها للعصب الحسي.. بحيث يصبح الطلبة على درجة عالية من اليقظة – والإصغاء.
بالطبع.. سيكون هناك آلاف الأعداد من “آينشتاين”.. وستضفى كل نسخة للطالب المسؤول.. والذي سيتمتع بصحبة “آينشتاين” ولا شك خصوصاً وأن بإمكان العالم الفيزيائي أن يقدم صوراً ذات أبعاد ثلاثية تزيد من متعة التعليم!!
رواية حقيقية
قد يكون ذلك جزءاً من رواية خيالية.. إلا أن ذلك هو حقيقة ما يتصوره العلماء من نفوذ الكمبيوتر على التعليم والمعلم مستقبلاً.. خاصة بعد أن بدأت دول كثيرة في الاعتماد على ذلك الجهاز من نواح علمية عديدة. ففي بريطانيا مثلاً بدأت أول شبكة تعليمية في السابع عشر من يناير للعام 1994.. ويسمى النظام الجديد بـ The Educational Exchange والتبادل التعليمي.
وعلى الرغم من كل المزايا التي أتى بها الكمبيوتر والذي ساهم ولا شك في تسهيل أمور كثيرة في حياة البشر، إلا أن التحول نحو الآلة بدلاً من البشر واليد العاملة الآدمية، قد أثار مخاوف الكثير.. وهو السبب الذي دفع بمجلة “الأوبزرفر” إلى تخصيص ملحق كامل لمناقشة التنافس الذي بدأه الكمبيوتر ضد المعلم والمدرس الآدمي وتطرح المجلة تساؤلاتها بشأن المعلم الآلة القادم إلينا مع ثورة الكمبيوتر.. وعما إذا كان “آينشتاين” الصناعي.. قادراً على القيام بدور المدرس الذي عهدناه!! و”الأوبزرفر” تبادر بإجابتها إلى أن مثل هذه المدارس ستفقد بلا شك اللمسات الآدمية.. والطلبة لن يتمكنوا بالتأكيد من إشعال شمعة تقديراً لـ”آينشتاين” أو لـ”سوبرمان”.. فجهاز التعليم الآدمي.. أو البشري.. يعالج قضايا نفسية واجتماعية لن يكون بإمكان جهاز الكمبيوتر العبقري التفاعل معها.. وماذا لو استمر الدين جزءاً من المنهج الدراسي؟
هل تستمر المدارس؟
وتحاول الأوبزرفر مجاراة فكرة الأستاذ الكمبيوتر.. فتطرح أموراً من المؤكد أن الكمبيوتر لن يستطيع محاكاتها واسترجاعها كما هي عن البشر.. وتفترض الجريدة أن الطالب قد آلف الكمبيوتر.. مما خلق نوعاً من المحبة مع الجهاز.. ولكن هل باستطاع الكمبيوتر التفاعل مع هذه المزايا البشرية!! ثم على ضوء ذلك التغيير في المناهج والأساليب والأماكن التعليمية.. هل ستستمر المدارس؟ وهل ستكون هناك حاجة للفصول الدراسية؟ أم سيكون بإمكان الطالب.. إدارة الجهاز وهو قابع في منزله.. أو باستخدام أشعة ليزر خاصة تعكس المعلومات مباشرة على قرنية عين الطالب الذي سيكون على اتصال مع شبكة معلومات عالية.. وسيكون بمقدرته أن يتعلم اللغة من موطنها والنظرية من واصفها.. أي أن الطالب سيتعلم الإيطالية مثلاً في فينيسيا وهو جالس في منزله وعلى مقعده!!
إن التعليم مستقبلاً.. وبفضل الكمبيوتر.. سيكون مشابهاً جداً للألعاب التي يشغف بها الكثير من الشباب.. ويفضلون الجلوس أمام أجهزة الكمبيوتر ومراقبة ألعابه المثيرة.. أكثر بكثير من استرجاع ومذاكرة دروسهم.. وذلك ما لن يكون عليه الحال في المستقبل.. فالتعليم سيصبح تماماً مثل ألعاب أجهزة الكمبيوتر في وقتنا الحاضر!
مجفف… الرؤوس
أماكن العلم ستتغير.. بما يتفق وأسلوب التعليم في المستقبل… فإذا كان التعليم جاهزاً ومخزناً في شرائط ممغنطة.. فإن ذلك يعني أن الطالب بإمكانه أن يضع خوذة كمجفف الشعر.. موصولة بالرأس عن طريق توصيلات ممغنطة.. لذا فإن التصور الآن لما سيكون عليه الفصل الدراسي.. بأنه يشبه صالون الحلاقة.. كل طالب يجلس وعلى رأسه الخوذة.. الشبيهة بمجفف الشعر.
وقد يكون بالإمكان مستقبلاً.. الاستغناء عن الخوذة وذلك بزراعة مفاتيح في الدماغ رأساً ثم إيصال تلك المفاتيح بشبكة المعلومات.. وبذلك فإن برامج الكمبيوتر ستكون متوفرة في الدماغ البشري.. وسيتم عرضها مباشرة أمام العين البشرية.. وبذلك فإن الطالب سيتلقى تعليمه من خلال عقله مباشرة.. حتى وإن كان نائماً.. وليس في بيته فقط.
مفاتيح الجمجمة!
ولكن السؤال هنا.. من سيكون بحاجة للتعليم في المستقبل طالما أن بحوزتنا مفاتيح مثبتة في الجمجمة.. نستطيع إدخال ما نشاء من معلومات عن طريقها.. فمثلاً باستطاعة الفرد أن يكتسب اللغة اليونانية لعدة أشهر.. وذلك بإدخال اللغة عن طريق مفاتيح الجمجمة.. تماماً كما نضع الآن شريط الكاسيت في آلة التسجيل ونستطيع إنجاز أعمالنا التي تتطلب اللغة اليونانية خلال تلك الأشهر.. قبل أن نبدل برنامج اللغة اليونانية.. ونعيد برنامج اللغة التي نستخدمها.. وبذلك يصبح عالم الطموحات والثقافة والتعليم.. هو عالم الحمقى.. الذين لا يعرفون كيف يستخدمون تلك البرامج.. أو لم يتلقوا تدريبات كافية على أسلوب التعليم الجديد.
لكن المعضلة الحقيقة من التحول نحو الكمبيوتر في قاعات العلم والدراسة.. هي معضلة ذات منشأ اقتصادي بحت.. وهو ما أثاره مايكل دورهام Michael Durham في تقريره المنشور في جريدة “الأوبزفر” عن تكاليف استخدام الكمبيوتر ضمن مناهج الدراسة… وفي قاعة الدرس.. حيث من المتوقع استقدام 350 ألف جهاز كمبيوتر إلى المدارس.. بحسب آخر التقديرات الحكومية في بريطانيا.. وذلك يعني أن جهازاً سيخصص لكل ثلاثة عشر تلميذاً من المرحلة المتوسطة.. وتزداد النسبة في المرحلة الابتدائية لتصبح ما يقارب واحداً ونصف جهاز لكل ثلاثة عشر تلميذاً.. أي بتكلفة ما يزيد عن الخمسة عشر مليون جنيه استرليني للمرحلة المتوسطة.. وما يزيد عن عشرين مليوناً للمرحلة الابتدائية. وعلى الرغم من كل تلك التكاليف.. فإن القائمين على التعليم يرون وجوب تخصيص جهازاً لكل تلميذ.. إضافة إلى جهاز آخر للمدرس نفسه.. وبرامج تعليمية للتلاميذ للاستخدام المنزلي.
وبينما يرى المثاليون Utoplans أن حلمهم في فصل إلكتروني.. يكمن في تخصيص جهاز لكل طاولة تلميذ.. يخالفهم المصنعون Manufactures ذلك الرأي.. والذين يتوقعون سوقاً أقل نشاطاً لأجهزة الكمبيوتر.. بعد الطفرة التي كان عليها الجهاز خلال حقبة الثمانينيات.. لذا فإن حلم المصنعين وأصحاب المصانع.. هو في تطوير الأجهزة.. وتحسين أدائها.. أكثر من زيادة ومضاعفة إنتاجها.
فوائد استخدام الكمبيوتر.. هي ولا شك أكثر من أن تحصى.. خاصة في مجال التعليم.. ولعلّ أكثر التلاميذ تقديراً لاستخدام هذا الجهاز.. هم أولئك الذين يعانون من مشاكل في الكتابة والقراءة وتهجئة الكلمات.. وهي مشكلة لا يخلو فصل دراسي من معانين منها.. بالنسبة لهؤلاء فإن جهازاً يعمل على تدقيق الأخطاء النحوية.. والإملائية.. وإعادة كتابتها صحيحة دون أخطاء.. هو ولا شك جهاز ذو قيمة عالية، فبالنسبة لهؤلاء التلاميذ.. فإنهم يستطيعون وبفضل الكبيوتر أن يخصصوا جهداً أكثر لجوانب إبداعية في تعليمهم كانت تعرقلها من قبل إخفاقات نحوية وإملائية.. بل إن حافز الطالب عند رؤيته لما يرونه من أفكار على شاشة الكمبيوتر.. بصورة أنيقة ونظيفة تخلو من رتوش التصحيح.. سيدفعه إلى مزيد من الثقة بقدراته الإبداعية.. تعزز إحساسه بنفسه.. هذا إلى جانب أن الكمبيوتر ولا شك جهاز مريح لا يبدي القلق وقلة الصبر التي كان يتميز بها الأستاذ الآدمي.
أستاذ لكل القدرات
لقد أثبت الكمبيوتر فعاليته الواضحة في تعليم هؤلاء التلاميذ المتأخرين عن أقرانهم.. والذين لديهم صعوبات في التعليم.. وفي حفظ واسترجاع المعلومة. وقد جاءت هذه النتائج الإيجابية بشهادة القائمين على تعليم هذه الشريحة من التلاميذ.. وكذلك بشهادة أولياء أمورهم. بل إن الأمر تطور إلى حد تخصيص برامج كمبيوتر خاصة لتلائم قدرات هؤلاء التلاميذ.. وبحيث تمكنهم من تكرار ما يصعب عليهم تذكره.. دون أن يسبب ذلك لهم حرجاً.. كما كان الحال في السابق.. وهم بين أقرانهم من التلاميذ..
ولكن السؤال الذي تثيره “الأوبزيرفر” في ملحقها الخاص عن التعليم والكمبيوتر مستقبلاً.. هو سؤال يحوي الجدل الدائم حول اختلاف المقدرة بين الذكور والإناث.. وعما إذا كان ذلك الاختلاف يجد صدى له في مجال استخدام الكمبيوتر.
فبالنسبة لأحد التقارير الراصدة لاستخدام ومستخدمي الكمبيوتر من الطلبة والتلاميذ.. وجد التقرير أن الفتيات أقل استخداماً للكمبيوتر في المنزل عن الأولاد.. بمقدار ثلاث عشرة مرة!! كما أفاد التقرير أن الأطفال الذين نشأوا على استخدام الكمبيوتر في المنزل.. هم أكثر قدرة على استخدامه في المدرسة. إلا أن مصدر الاختلاف في استخدام الكمبيوتر بين التلاميذ والتلميذات.. أن الأولاد أكثر إقبالاً على الكمبيوتر وذلك لشغفهم بالألعاب العنيفة.. والأصوات القوية التي تنتجها شركات الكمبيوتر. لذلك فإن قدرة الفتيات على استخدام الكمبيوتر تزداد عند من يقبلن منهن على ألعاب الكمبيوتر. بل لقد توصلت دراسة لإحدى المؤسسات في الولايات المتحدة إلى أن الفتيات اللاتي لا يمارسن ألعاباً على الكمبيوتر يصبحن أقل قدرة على التحصيل العلمي في مجال الرياضيات والعلوم.
أين المعلم؟
لا جدال مطلقاً في أن استخدام الكمبيوتر في قاعة الدرس.. بواسطة المعلم.. والتلميذ على حد سواء.. سيوفر مجالاً أفضل.. ومتسعاً أكبر للعلم والتعليم. لكن الحذر والخوف سيبقيان دائماً.. من مخاطر انتهاء العلاقة بين الطالب والمدرس.. والتي هي بلا شك جزء أساسي لا يمكن فصله عن رحلة كل منا التعليمية في هذه الحياة.. ففي كل منا ترسخ صورة للمدرس أو للمدرسة النموذج.. وهي صورة أثرت في حياة كل منا.. وكان لها رأي وقول في قرارات وخطوات كثيرة اتخذناها في مسيرة حياتنا. هذه الصورة ستبقى ولا شك الأصعب عل كل برامج الكمبيوتر.. والتي لن تستطيع استنساخها.. فهي في صحيح آينشتاين الذي فنى منذ زمن بعيد.. ولن تستطيع صوره الكثيرة – والمترددة أمام الطالبة فوق أجهزة الكمبيوتر الساحرة – أن تستدعيها ولو للحظات.
