
إذا كان احترام الرأي الآخر والاستماع إليه يعدان شرطاً من شروط العملية الديمقراطية بوجه عام، فإن قبول نتائج الانتخابات، أياً كانت، يعتبر كذلك من شروط العمل والأداء الديمقراطي.
إلا أن قبول النتائج لا يعني بالضرورة قبول أطروحات الناجحين في الاقتراع البرلماني، فالديمقراطية لا تنفي الخضوع التام، بل هي في جوهرها تعد الأداة الضرورة لإدارة الاختلاف والخلاف ضمن المجتمع الواحد لعل أبرز سمات المجلس الجديد.. هي أن الانقسام والاختلاف الحاد يعدان أساس العلاقة بين رواد المجلس الجدد، مما يعني أن محاولات احتواء وتدارك ذلك الانقسام ستسيطر على جزء كبير من وقت وجهد المجلس.. مما يعني أن الحكومة، وهي السلطة السياسية، ستكون فرس الرهان دون أي منافس أو منازع.
ولعلَّ أولى علامات الإنذار في المجلس الجديد، أن انقسامه هذا ليس انقساماً حول قضايا محددة، وأطروحات معينة، بل هو انقسام جوهري.. بين فئات اجتماعية مختلفة وانتماءات عقائدية متباينة.
هو انقسام يعكس، وبصورة واضحة، الصراعات الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية القائمة في المجتمع بوجه عام، والخطورة هنا ليست في الانقسام بحد ذاته.. بل من كونه دائماً وراء الأسباب التي أدت دائماً إلى تشرذم المجتمع وتجزئته.. سواء من خلال القنوات الرسمية والتي أقرت قوانين الهوية والجنسية.. وما أسفر عنه من تعدد من الجنسية، ومن بروز شريحة في المجتمع بلا هوية، مما فاقم من حدة ذلك الانقسام، أو كان ذلك من خلال الأعراف والقوانين المجتمعية الموضوعة والمسيطرة على عملية الحراك الاجتماعي.. وما خلقه ذلك من انقسام جغرافي حاد.. وتفريع مجتمعي عقائدي واقتصادي واضح.
لعلها المرة الأولى التي يجسد فيها مجلس الأمة حقيقة ذلك الانقسام والتفريع المجتمعي الخطير.. وبهذه الصورة من الوضوح، والذي كان من المفروض أن يحسمه الوعي الديمقراطي الحر.. وعلى مدى سنوات العمل الديمقراطي.. لو لم يكن أداة فاعلة في يد السلطة الحكومية سيطرت من خلاله على كل تلك الانتماءات.. قبلية كانت أم عقائدية.
وصرفت الأنظار الاجتماعية عن قضايا جوهرية كثيرة.. وذلك من خلال إشاعة الذعر والخوف من مخاطر تلك الانتماءات المختلفة في هذا الوطن، بل وكثيراً ما عمدت الحكومة إلى ضرب تلك الانتماءات بعضها ببعض معلنة نفسها بذلك المتعهد الوحيد.. والضامن الأساسي للوحدة الوطنية.. وللانسجام والتناسق المجتمعي، وقصص تلك المحاولات هي لا شك أكثر بكثير مما تسمح له السعة المكانية للسرد والتفصيل.
وقد تكفينا هنا الإشارة إلى الترحيب الحكومي غير المعلن للانتخابات الفرعية سواء أكانت قبلية.. أم عقائدية وكما كانت الحال في فرعية “الدعية”.
لقد أدرك المواطن أبعاد ذلك الانقسام في المجتمع الواحد، إبان فترة الاحتلال البغيض وأصبحت الوحدة الوطنية، وبعفوية صادقة فرضتها ظروف الاحتلال، هي الشعار الممارس بالفعل، والعمل.. مما انعكس على أجواء وظروف مجلس ما بعد التحرير.
غير أن الحكومة سرعان ما عادت إلى سياسة اللاحياد واستطاعت، وبصورة لبقة، أن تدير كفة الصراع الانتخابي.. ولو من وراء الكواليس. ودفعت بآليات التفريغ والانقسام إلى حلبة الصراع النيابي، وهي بلا شك قد نجحت في ذلك.. حتى لقد أصبح المواطن مدركاً لمقومات الاختلاف والحوار في المجلس الحالي.. و(النقاب)، ورواتب النواب وتحسين أوضاعهم، فهل يعي المواطن ذلك الخطر.. أم سيبقى الوعي مفقوداً؟!
