الأرشيف

هل نأخذ الحكمة من جحا؟!

[جريدة الطليعة 4/6/1997]

على الرغم من كل مشاهد الألم والبشاعة التي خلفها غزو النظام العراقي للوطن. إلا أننا جميعاً لا ننكر إيجابيات غرسها الغزو وتداعياته في نفوس الكثير من المواطنين، وتجلت في ذلك الوعي والإدراك الكبير لطبيعة الأحداث الإقليمية والدولية، وترابطها بصورة تجعل من السذاجة بمكان عزل أي من تلك الأحداث عن مناخه الإقليمي.
ويكفي القول هنا، إنه لولا دكتاتورية حاكم بغداد لما كان لغزو الوطن أن يقع!!
البعض وللأسف الشديد لا يزال مصراً وبصورة مؤسفة على ذلك المنطق الانعزالي من متابعة ورؤية الأحداث في المنطقة، فبات يرى في الاختراقات التركية لشمال العراق أحداثاً إيجابية، ستلقن العراق درساً جديداً.
لا شك أن الأحداث الأخيرة في شمال العراق ليست شأناً عراقياً وحسب كما أنها ليست بخطر بعيد عن دول المنطقة بوجه عام. وانطلاقاً من ذلك الإدراك فقد دعت إيران (العدو الأول للعراق) أنقرة لسحب قواتها من شمال العراق كما دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي سورية إلى التوقف عن دعم “حزب العمل الكردستاني” يقينا منه بالتأثير المباشر لعوامل القلق من الشمال على أمن إسرائيل ومستقبلها.
ومن دون أن نتوغل في تفاصيل أحداث الشمال، فإن ردود الفعل الإقليمية تؤكد مدى تشابك الأحداث وترابطها، وهو ما يحاول البعض في هذا الوطن إنكاره أو تجاهله.
نحن بلا شك لا ننكر على الذين صفقوا وهللوا لأحداث الشمال، حقهم المشروع في رؤيتهم ورؤاهم السياسية هذه، لكنه حق لا يخولهم تضليل المواطن وعزله عن دائرة الأحداث المترابطة.
إن منطق الأحداث وتطورها يفرضان علينا أن نتحلى برؤية ناضجة لما يعصف بالمنطقة من قلاقل ومتغيرات، فما لا شك فيه أننا معنيون مباشرة بقلاقل الشمال تماماً كما كنا معنيين من قبل بالحرب العراقية – الإيرانية وما سبقها وما أعقبها من تطورات، وإذا كان ذلك البعض قد نجح من قبل في تضليل المواطن، وإقصائه عن محيط واقعه السياسي الفعلي فإن الصفقة التي تلقاها المواطن يوم الثاني من أغسطس، تفرض على ذلك البعض أن يمارس وطنيته وأن يلعب دوره مخلصاً في إيضاح الموقف وقراءته بعقلانية، بعيدة عن عالم التمني والأمنية.
الاجتياح التركي لشمال العراق، كارثة ولا يقل خطورة عن كارثة الغزو ومأزق يتطلب موقفاً عربياً صارماً لتطويق ذلك الخطر المستقبلي، فهنالك تحالفات إسرائيلية – تركية – أمريكية في بحر أحداث الشمال، تسعى لرسم خرائطها الاستراتيجية التي لا تستثنى أياً من دول المنطقة، توزع أدواراً وحصصاً لا نصيب يذكر فيها لدول المنطقة بما فيها نحن في هذا الوطن الصغير.
لا شك أنه من الصعب بمكان، الإنغلاق أو الانعزال عن هدير ذلك البحر المتلاطم من الأحداث والقلاقل التي اشتعلت جذوتها في الشمال، وكما يحاول البعض أن يتمنى ويأمل. ويكفي القول هنا أن غزو النظام العراقي للوطن قد كان مدخلاً رئيسياً لتركيا للحصول على دور إقليمي أكبر في المنطقة، ودور بارز في إنشاء بنية أمنية في الخليج والشرق الأوسط وأرضية للدخول الاقتصادي في المنطقة بأسرها.
لا يعقل أن يكون الاجتياح التركي لشمال العراق مادة للتشفي والانتقام يمارسها البعض بجهالة لا تخفي على أي متابع ومشاهد للأحداث إلا إذا كان هؤلاء يرون في الاتفاق العسكري التركي – الإسرائيلي مبعثاً للأمل والطمأنينة، وهو اتفاق تغذيه اختراقات تركية متواصلة للشمال العراقي، كان أحدها الاختراق الأخير.
لقد أكدت لنا كارثة الغزو أننا جزء من المنطقة بقلاقلها وبكوارثها وبأحداثها كما تؤكد لنا تداعيات الغزو أننا قد أصبحنا وبصورة كبيرة في قلب الأحداث وبؤرتها. ويكفي القول إن أبرز الأحداث التي شملت المنطقة وعلى رأسها اتفاقيات السلام العربية – الإسرائيلية وما تلاها من تفاصيل قد جاءت كنتائج سياسية مباشرة لأزمة الغزو.
إن الاجتياح التركي لشمال العراق، هو كارثة بكل المقاييس، ويشكل تهديداً لأمن دول المنطقة كلها وبلا استثناء وكم كان بودنا لو أن الموقف الرسمي جاء أكثر نضجاً من مواقف بعض أصحاب الأقلام الذين هللوا وصفقوا لكارثة إقليمية جديدة. ورحم الله صاحب الفكاهة “جحا” حين هم نشطاً لإطفاء حريق جاره السابع، تحسباً وحيطة لكي لا تمتد النار إلى داره هو!!
فهل نعقل ونستقي الحكمة من جحا؟!

اقرأ أيضا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى